الأحد، 23 أكتوبر، 2016

العنصرية و العنصرية مضاد

خالد فضل)1(كتبت الزميلة رشا عوض ؛رئيسة تحرير صحيفتنا “التغيير الالكترونية” , منشورا على حسابها بشبكة التواصل الإجتماعي )فيس بوك(,  علّقت فيه على مقولة لفنانة اسمها السارة استضافتها قناة فرانس24وتم تعميم المقطع على اليوتيوب فيما يبدو , عبارة تلك الفنانة )الاستعمار العربي في السودان( , جعلت زميلتنا رشا تصرّح لأول مرّة تقريبا _معرفتي وزمالتي بها تعود إلى نحو عقد ونصف تقريبا _ بأنّها جعطابية أيجعلية /رباطابية , وكلا القبيلتين من السودان الشمالي النيلي بل من مواطن الزعم العروبي ذي النسبة المؤثلة للعباس بن عبدالمطلب عمّ النبي العربي القرشي محمدا)ص(. ولهذا استنكرت رشا على تلك الفنانة عبارتها المؤلمة حقا لرشا وأضرابها من ذويالهوية والنسبة العرقية العربية لكنها لا تعرف وطنا غير السودان . ووجه الألم بالنسبة لرشا ومن هم على مقدار وعيها ومسؤوليتها ودورها في الحياة العامة ,  مقدّر في سياق الشعور الإنساني العام بخيبة الأمل لكون سنوات وسنوات من المساهمة في حلحلة العقد العويصة التي أورثنا إياها أجيال متلاحقة سابقة من قومنا السودانيين ما تزال عصيّة على الحل , فتأتي شابة فنّانة بكل بساطة تنسف مانتصوّره وعي مختلف ورؤية أكثر حصافة قد غشت ناشئة الأجيال من السودانيين تحديدا,ومع ذلك تبدو عبارة تلك الشابة الفنّانة ممايستحق التوقف والتأمُّل مليّا , باعتبارات عديدة منها أنّها تُقدّم كفنّانة , وهي قيمة عالية الأهمية في تقديري , كذلك بالنظر إلى عمرها الشاب , والوسيط الإعلامي الذي حمل رسالتها باتساع نطاقه .في هذا المقام أذكر أنّ المركز الثقافي الفرنسي في الخرطوم كان قد اختار أحد مقالاتي التينشرتها جريدة الصحافة في السنوات المبكّرة من هذا القرن , وتمت ترجمتها ونشرها في مجلة المركز الشهرية وقتذاك , صدف أنّ صحفية فرنسية تمتلك مجلة اسبوعية في أحد المدن الفرنسية جاءت في زيارة إلى الخرطوم واطّلعت على المقال المترجم في المجلة , طلبت تلك الصحفية إجراء مقابلة مع كاتب المقال في لغته الأصلية إنْ أمكن ذلك , وبالفعل لبيت دعوة المركز لمقابلة تلك الصحفية التي فيما يبدو فوجئت بأنّ كاتبا شماليا عربيا مسلما  _حسب التصنيف العالمي السائد_يمكن أنْ يكتب عن معاناة ومأساة عامة الجنوبيين السودانيين المسيحيين الزنوجبتلك الروح وهذه الرؤية الإنسانية العميقة, سألتني عن موطني ونسبي وديانتي وتكويني الفكري والثقافي , وفي ختام المقابلة والحوار اعترفت بأنّ الرأي العام في أوربا لا يعرف سوى تلك الثنائيات السائدة عن حرب السودان الأهلية , وأنّ كتابتي تلك تعتبر اختراقا مهما لتلك الرؤية النمطية واستأذنتنيفي إعادة نشر ما ترجم  في مجلتها الإسبوعية بفرنسا فأذنت لها .)2(ونحن طلّاب في جامعة جوبا قبل بضع وعشرين سنة , صكّ الطلبة الشماليون مصطلح )شيريا( لوسم زملائهم من الطلبةالجنوبيين , فلما كتب أحد الطلبة الجنوبيين محتجا بعنوان )لماذا شيريا ؟(, تمّ نحت مصطلح آخر ظلّ مستمرا لحين تخرجنا هو)شعبك( في دلالة ساخرة ل )شعب الله المختار التي يزعمها اليهود( , والتي وردت كذلك في القرآن الكريم الذي يتلوه المسلمون في كلّ مكان . لم استسغ أيّا من المصطلحين ولا أذكر أنّني على المستوى الشخصي قد استخدمتها في أي لحظة , رغم حدوث بعض الشكلات الصغيرة هنا وهناك . كيف كان ينظر الجنوبيون إلى الشماليين ؟ صحيح على المستوى الفردي والشخصي نشأت علاقات مودّة عميقة , وحازأفراد كثيرون على ثقة الجنوبيين , رغم كونهم مندكورات و) أرب( حقارين , بينما كان أصدقاؤنا من أبناء دارفور تحديدا يمزحون بالقول , أنحن عند الجنوبيين مندكورات و)أرب( حقاّرين وربما مستعمرين مثلكم , أمّا عندكم يا شماليين /جلّابة , نُعتبرمجرّد غرّابة وهم ساكت .)3(صبيحة إعلان مصرع الراحل د. جون قرنق ,كُنت في شارع القصر قبالة مدارس كمبوني , حاولت تهدئة مجموعة من الشباب الغاضبين الذين سيّروا مسيرة مرّت في شارع القصر وبدأوا يحطمون في زجاج بعض السيارات المتوقفة على الشارع ,انبرى لي مجموعة من الشباب والشابات الغاضبين من طلبة الكلية الجامعية وطلبوا مني التوقف عن محاولة انتقاد سلوك تحطيم الممتلكات الخاصة أو العامة , وكانتنظرات بعضهم/ن تتطاير شررا , تدخّل أحد الموظفين في الكلية ولفت نظر أولئك الغاضبين أنّهم يتعاملون بهذه الفظاظة مع)أستاذ خالد فضل ( وما أدراكم من هو !! لاحظت أنّ بعضهم قد حاول إبداء إعتذاره , ولكنني في الحقيقة كنت مقدّرا لدفقتهم الشعورية العارمة بخيبة الأمل في تلك اللحظات العصيبة , أحسست بأنّني لم أٌحسن توقيت ما ظننته تعقُّلا في وجه لوثة هياج عاطفي شديد .)4(في النهاية انفصل الجنوب كما في لغة , أو استقلّ كما في تعبير آخر عن نفس الحدث , وغنى المغني في الرنك صبيحة التاسع من يوليو 2011م وكنت حاضرا)اليوم نرفع راية استقلالنا( , مثلما غنى السودانيون صبيحة الفاتح من ينائر1956م)عن رفع راياتهم (استقلالا من التاج المصري والاستعمار الانجليزي , وقد كانت )مصر والسودان حتّة واحدة( على قول بعض الهتاف الوحدوي ! ما الاستعمار  ؟ سوى ممارسات من سلطة غاشمة تهيمن على موارد البلاد تبعد أهلها عن إدارة شأن بلادهم وتفرض عليهم نمط تحديث , وتنمية ,ووثبة , و و و مما تزعمه السلطات , أمّا شؤون الحكم والرئاسة والإدارة العليا واتخاذ القرار المصيري فهو خاص ومحتكر لفئة المستعمرين , وعلى المستعمرين بفتحالميم الإذعان والهدوء وحمدالله على نعمة الأخذ بيدهم من الظلمات إلى النور . وإلّا أًعتبروا في عداد المخربين والمتمردين والشيوعيين . ماذا لو ارتبطت هذه السلطة بموجة توجهات ثقافية أو عرقية أو عقائدية محددة؟ وهو ما يسمى عدم التوازنفي عملية البناء الوطني , بالنتيجة يتم تنميط بعض الفئات في المجتمع بأنّها الأدنى , ووصم بعض القوميات بانحطاط الشأن , بل حتى المهن يتم دمغها بهذه النعوت الاثنية أو الجهوية , دون مراعاة لفارقالتقدم النسبي هنا وهناك , فالمدير والرئيس في مؤسسات الدولة وقطاعاتها السياسية والسيادية والدبلوماسية والاقتصادية والأمنية والعسكرية والإعلامية والمالية , غالبا من الموسمين بالعروبة /الإسلام . هل هذه حقائق أم إفتراءات ؟ قد يحتجُّ محتجٌّ بأنّ هذاالوضع نشأ من نمط التنمية الاستعماري الذي ركّز جلّ جهوده في نطاق محدود من السودان الشمالي النيلي والأوسط وصدف أنّ هذا النطاق مما تستعمره المجموعات السودانية المستعربة , لهذا كان التقدم النسبي لهؤلاء ومن ثمّ احتلالهم للمواقع والوظائف القيادية بحكم التعليم والتدريب . هذا قول منطقي في السنوات الباكرة للإستقلال , أمّا وقد هرم الوطن وما يزال يعاني من آلآم التسنين فهذه معضلة حقيقية, وبالتالي فإنّ نظرة غير المستعربين في السودان للهيمنة والنفوذ الذي يتمتع به المستعربون مما يخلق في دواخلهم الإحساس بالاستعمار .)5(إنّ توزيع مشاريع الزراعة المطرية الآلية الضخمة في مناطق جبال النوبة مثلا , يمثل هوة سحيقة بين تطلعات المواطنينالمحليين وواقع التقسيم الذي منح أغلبية الأراضي وأخصبها لكبار المتقاعدين من الخدمة والضباط وكبار التجار من خارج شعب الإقليم , بينما حُظي بضعة أفراد من أبناء أو مؤسسات جبال النوبة بمشاريع من عدد مئات , ألا يحفّز مثل هذا الإجراء على النظر إلى المجموعات المستعربة وكأنّها مُستعمرة )بكسر الميم (, ثمّ ينشأ ما يسمى بالتجمع العربي في دارفور وبالطبعتتزعمه قيادات سياسية ومهنية بارزة من القبائل العربية , ويكون من ضمن مقرراته غير المعلنة , الحد من هيمنة القبائل غير العربية على مقاليد السلطة في الإقليم , وذلكبالتنافس معهم على التعليم ووقف تطوره في مناطق )الزرقة( ما أمكن ذلك حتى يتولى العرب زمام الحكم ومقاليد السلطة بإعتبارهم أكثرية , ماذا لو جاء الجنجويد بعد بضع عشرة سنة , فعاثوا في أرض وحواكير الزرقة حرقا ونهبا وقتلا وتشريدا , وأول ما يُستهدف بالهجمات كانت المدارس والخلاوي بإعتبارها مراكز تعليم للزرقة , ثمّ تأتي الدولة لتضفي على كل إرث النهب والسلب والتشريد صفة التمحيد وترفيع مرتكبيه إلى خانات البطولة والفروسية وحمايتهم بديباجة رسمية , فكيف يكون الإستعمار إذن ؟ بل كيف نرجو أنْ يتم التفريق بين ممارسات سلطة لا تُمثّل في الواقع ولا تعبّر عن المستنيرين وبعض المثقفين لكنها تنسجم مع ما هو سائد من أدبيات السذاجة والإستعلاء العرقي باسم العروبة تارة وباسم الإسلام تارات أخر , ماذايتوقع المرء من عامة غير العرب في السودان ؟ النظر بإعجاب إلى كون أنّ السودان عربي /اسلامي بدون دغمسة تعددية ؟ فيا عزيزتي رشا اسمي واسمك مكتوبان في عداد المستعمرين العرب دون شك , لكن هذا لا يعني الاستسلام أبدا , فبمثل ما تطفح وتنضح الأدبيات وسط المجموعات العربية بمفاهيم الاستعلاء والهيمنة والتحقير للآخرين , نجد كذلك عبارات القدح والاستحقار والسخرية والحط من قدر المستعربين في أوساط غيرهم , لابد إذن من استمرار العمل بوعي واخلاص من أجل جعل قيمة المواطنة حقيقية وفعلية ,وفي سبيل ذلك لابد من مذ حبال الصبر بل وتحمّل الأذى . وسلمت بلادنا وتعدديات شعبنا .

الخميس، 20 أكتوبر، 2016

ضحايا العرب | عائشة البصري

ضحايا العرب

عائشة البصري | الخميس 20 تشرين الأول 2016

في دارفور، وفي جبل مرة تحديداً، تنسلخ ثم تتساقط جلود الأطفال مثلما تنهار القنابل على رؤوس الكبار. يصرخون من الآلام. جروح أكبر من سنهم. يتقيأون دماً ثم يختنقون حتى الموت. إنه الموت بالكيميائي.
بهذه العبارات وصفت السيدة تيرانا حسن، مديرة برنامج «الاستجابة للأزمات» بمنظمة العفو الدولية ما شاهدته: «الصور وأشرطة الفيديو التي شاهدناها خلال بحثنا صادمة تماماً، يظهر في واحد منها طفل يصرخ من الألم قبل أن يموت، وتظهر صور عديدة أطفالاً صغاراً عليهم آثار تقرحات وبثور. وكان بعضهم غير قادراً على التنفس ويتقيأ دماً».
جرائم أخرى قد ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وثّقتها هذه المرة منظمة العفو الدولية في تقرير صدر عنها أخيراً تحت عنوان «أرض محروقة وهواء مسموم». تقرير مرفق بصور مروعة تظهر آثار استخدام قوات الحكومة السودانية الأسلحة الكيميائية في 32 هجوماً راح ضحيتها هذه السنة ما يناهز 250 مدنياً، أكثرهم من الأطفال، وفق المنظمة الحقوقية.
أطلعت منظمة العفو خبيرين دوليين في مجال الأسلحة الكيميائية، كل على انفراد، على المقابلات والأدلة المصورة المتعلقة بالهجمات الكيميائية وخلص كلاهما «إلى أن الأدلة تشير بقوة إلى التعرض لمواد حارقة للجلود، أو مواد مسببة للبثور، مثل مواد الحرب الكيميائية، كخردل الكبريت، واللويزيت وخردل النيتروجين».
على عكس محرقة الغوطة السورية في صيف 2013، فإن ضحايا القصف الكيميائي في دارفور لم يحظوا حتى الآن ولو بقليل من النفاق الدولي. فلم يعبر بان كي مون عن هلعه أو صدمته أو حتى عن قلقه المعهود. ولم يتفوه أوباما بحرف واحد، هو الذي وعد مناصري دارفور خلال حملته الانتخابية لسنة 2007 بأنه إذا انتخب رئيساً فإنه لن يغض الطرف عن أي مجزرة هناك. وباستثناء فرنسا والاتحاد الأوروبي اللذين يريدان تحقيقاً في الموضوع، يخيم الصمت تجاه تقريرٍ لو تعلق بأي دولة غير أفريقية سوداء لقامت عليه الدنيا وما قعدت.
غضت الحكومات الغربية الطرف عن دارفور وأدخلتها حيز الأزمات المنسية منذ 2008، حين أرسل مجلس الأمن بعثة السلام بلا سلام المعروفة باسم «يوناميد». لكن مناصري القضية في أميركا وأوروبا لم يستسلموا بعد وما زالت «العفو الدولية» و «هيومن رايتس ووتش» وغيرهما من المنظمات الحقوقية ترصد الوضع في الإقليم وتضغط على مجلس الأمن لكي لا تمر جرائم الحكومات السودانية المتتالية مرور الكرام.
أما في وطننا العربي، فلا يزال الصمت سيد الموقف. حتى الأمير الأردني زيد بن رعد الحسين، مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان لم ينطق بحرف واحد، وكأن الادعاءات الخطيرة في دارفور لا تمت بصلة للإنسان وحقوقه الأساسية. ولم تحرك الجامعة العربية ساكناً ولم يتظاهر المواطنون العرب ولو حتى في فضاء «الفايسبوك» الافتراضي الذي سارعوا فيه بتظليل صورهم الشخصية بألوان العلم الفرنسي على وقع هجمات باريس.
أما التغطية الإعلامية العربية لتقرير منظمة العفو الدولية فكانت سردية وسريعة على العموم، وركزت على نفي الخرطوم ما نسب إليها من فظائع. ثم عاد الصمت ليخيم من جديد على قضية لم تشغل في يوم من الأيام بال ما يسمى بالرأي العام العربي.
منذ قام منسق الشؤون الإنسانية في السودان آنذاك، الدكتور موكيش كابيلا، بوصف الأوضاع في دارفور بأنها «أسوأ أزمة إنسانية في العالم حالياً»، تأرجحت ردود الفعل في العالم العربي بين إنكار واستغراب وشيء من التعاطف. ويمكن أن نعزو هذا لعدة أسباب، من بينها التوقيت الخاطئ الذي اختارته الحركات المسلحة في دارفور في هجومها على مطار الفاشر في أبريل (نيسان) 2003، أي بعد حوالى شهر على الغزو الأميركي للعراق. نظراً إلى هذا التوقيت لم تتردد جهات أميركية في استغلال أزمة دارفور لتحويل الأنظار عن جرائم إدارة بوش في العراق وتمنح الرأي الداخلي فرصة التخفيف من إحساسه بالذنب عبر مناصرة ضحايا حكومة عربية أفريقية.
كالعديد من مواطني المنطقة شكّكت آنذاك في وصف وزير الخارجية الأميركي الجنرال كولن باول لجرائم الحكومة السودانية بالإبادة، هو الذي شهد زوراً في مجلس الأمن على امتلاك العراق أسلحة الدمار الشامل. ثم استغربت ضخامة حملة مناصرة دارفور التي وقفت وراءها منظمات دينية لم تكترث من قبل لقتل ملايين الأفارقة في الكونغو والصومال وإريتريا وتشريدهم واضطهادهم. ثم انزعجت حين قام عبد الواحد محمد نور رئيس حركة «جيش تحرير السودان» بزيارة لإسرائيل، وفتحت الحركة مكتباً هناك للتقرب من أكثر الأنظمة قمعاً وعنصرية. كالعديد من مواطني المنطقة كنت حينها أنظر إلى مأساة دارفور من زاوية الغزو الأميركي- البريطاني للعراق والاحتلال الإسرائيلي لفلسطين. كنت في حالة رفض وإنكار لفكرة أن حكومة عربية مسلمة قد ترتكب الفظائع التي كان ينسبها إليها الإعلام الغربي الذي فقد الكثير من مصداقيته منذ حرب الخليج الأولى.
لكن سرعان ما تغيرت قناعاتي حين شغلت منصب المتحدثة الرسمية لبعثة الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة في دارفور (يوناميد) في صيف 2012. وقفت حينها على تستر البعثة وإدارة حفظ السلام في نيويورك على حملات قتل وتشريد ممنهجة لا يمكن وصفها إلا بتطهير عرقي للقبائل غير العربية، وعلى رأسها قبائل الفور والزغاوة والمساليت. اطّلعت على سيل من تقارير البعثة التي تصف قصف القوات الحكومية للمدنيين واغتصابها الممنهج للنساء والفتيات، وأحياناً أمام أعين آبائهن وأزواجهن، وحرقها قرى بأكملها وتهجيرها عشرات الآلاف من الناجين والاستيلاء على أراضيهم وممتلكاتهم ومنع وصول المساعدات الإنسانية إلى الضحايا. وكانت تقارير البعثة توضح أن هذه الجرائم تتم وفق خطة حكومة السودان الماضية قدماً في تغيير ديموغرافية دارفور لمصلحة بعض القبائل العربية الموالية للنظام.
وحين تأكدت من صمت الأمم المتحدة وطمسها كل هذه الحقائق وتحويرها، أثارت اشمئزازي لغة تقاريرها عن الوضع في دارفور. كانت تستخدم لغة دبلوماسية، تغلب عليها التلطيفات اللغوية وإعادة تسمية الأشياء بهدف التمويه والإبهام ونسبة الأفعال إلى المجهول أو إلى غير فاعلها الأصلي واستخدام لغة الأرقام المضللة. غضبت من لغة الخداع والتواطؤ التي كانت تصف القصف المتعمد للمدنيين بـ «الغارات الجوية» والحرب المتواصلة التي تستهدف المدنيين بـ «الاشتباكات المتفرقة»، وفرق الموت التابعة للحكومة بـ «قوات الدعم السريع»، وتنعت الاغتصاب الممنهج والجماعي بـ «العنف المبني على النوع الجنسي».
كانت قيادة «اليوناميد» تحثني على أن أمرر هذه الأكاذيب بكل دبلوماسية. لكني رفضت أن أصبح متحدثة باسم بعثة صامتة، متواطئة وقررت أن أثور. قدمت استقالتي وسربت لمجلة «فورين بوليسي» الأميركية مئات التقارير التي تثبت تستر الأمم المتحدة على أقبح الفظائع في دارفور، وأدليت بشهادتي في عدة منابر سودانية ودولية، بما فيها لجنة الشؤون الخارجية بالكونغرس الأميركي. وبتضافر جهود عدد هائل من الشركاء المستقلين، تمكنا من إفشال مخطط إدارة حفظ السلام التي كانت تهيئ لسحب الآلاف من قوات السلام عبر الصورة الوردية التي كانت ترسمها عن الوضع في الإقليم وتطبيلها لعملية سلام مبتور وغيرها من الخدع السياسية.
إن مأساة دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق تقترن بنزعة عنصرية تم توظيفها سياسياً من طرف نخب حاكمة تنتمي لقبائل عربية أو تدعي ذلك. أقول «تدعي» لأن الحكومة السودانية تسلح بعض القبائل العربية الموالية لها بأسلحة ثقيلة وفتاكة تضرب بها قبائل لا تقل عروبة عنها في دارفور.
لكن مشكلة العنصرية في الوطن العربي لا تقتصر إطلاقاً على السودان، ففي الوقت الذي كان فيه أسياد الخرطوم يبيعون «الزرقة» في سوق الرقيق في منتصف التسعينات من القرن الماضي مقابل أقل من ثلاثين دولاراً أميركياً، كان الحرّاطون في مدينة نواكشوط الموريتانية يتاجرون بـ «العبيد» بأقل من ذلك.
وما زالت ثقافتنا تشكك في عروبة ذوي البشرة السوداء وتسمح بالتمييز ضدهم، مواطنين كانوا أو أجانب، وتنعتهم بأقبح الأوصاف وتهمشهم، من القمة إلى القاعدة. ولأن مشكلة الوطن العربي اليوم هي أيضاً مشكلة قيم إنسانية، فإنه يتوجب على الجميع، بخاصة النخب السياسية والحقوقية والثقافية، الإقرار بعنصرية ثقافاتنا ومناهضتها من الخليج إلى موريتانيا.
ولذلك، فإن مطالبة عربية بتحقيق فوري في تقرير منظمة العفو الدولية قد تذكر الجميع بأن الإنسان العربي الذي تعاطف مع ضحايا محرقة الغوطة في سورية لا يقبل بهجمات كيميائية في دارفور وقصف بالقنابل العنقودية في جبال النوبة.


* كاتبة من المغرب وحائزة على جائزة رايدنهاور الأميركية لكاشفي الحقيقة لسنة 2015.

الثلاثاء، 18 أكتوبر، 2016

قضايا الحريات العامة و الحقوق الدستورية في السودان

#قضايا الحريات العامة و
#الحقوق الدستورية في السودان

       الحرية من القيم العليا التي تتحقق بها إنسانية الإنسان الحقة،و العلاقة طردية و تبادلية بين حرية الإنسان و تقدمه و رقيه المعرفي، وهذا ما يدل عليه التطور الاجتماعي للبشرية بوضوح. فقد سادت الأنظمة الاستبدادية و الإمبراطوريات القاهرة في مراحل الأولى من التاريخ، ثم أخذ الخط البياني لمشاركة الجماهير في السلطة اتجاها تصاعديا إلى أن وصل إلى مرحلة الديمقراطية كصيغة حكم تقوم على سيادة الشعب و الحرية الاختيار و المساواة و حكم القانون.
   وفي السودان دارت عجلة السياسة منذ الاستقلال في حلقة مفرغة فتناوبت على البلاد الأنظمة الحزبية بكل ما تتسم به من هشاشة و محدودية إنجاز،  و شمولية بكل ما فيها من قمع و طغيان،  و مهما يكن من شيء،  فإن العبرة الأساسية التي تقدمها لنا تجربتنا السياسية، هي أن الحرية قيمة يجب أن لا نقايضها بشيء،  فحرية الإنسان صنو لكرامته و لا سبيل لصون حقوق الإنسان و كرامته إلا في ظل حكم القانون و الذي لا يتحقق على وجه الأكمل إلا في ظل الحريات الأساسية التي يكفلها الدستور ويحرسها القضاء المستقل. و من هذا المنطلق فإن كفالة الحريات الأساسية في الاعتقاد و الرأي و التعبير و النشر و التنظيم والتنقل و غير ذلك من أنواع الحريات، تشكل قضية محورية في فكر السياسي،  و العمل السياسي، يجب عمل على ترسيخ ثقافتها و تحقيق ضماناتها تامينا لها من مغامرات القوى ذات الصلة والتوجه الشمولي و الدكتاتوري الراديكالي.
  وإذا كان لابد من تأمين النظام الديمقراطي التي تكفل فيه الحريات الأساسية، فمن الواجب الاستهداء بعبرة تجرب السياسية في السودان التي توضح كم عجز الأنظمة الحزبية عن الحفاظ على الديمقراطية بصورة متتالية.  و هذا الأمر لم يأت من فراغ و إنما جاءت لوجود علة أساسية في ممارسة الحزبية الخاوية من المضمون الديمقراطي الحقيقي بأبعاده السياسية والاقتصادية.
لقد أدى توظيف الأحزاب للحرية السياسية للاطماع الضيقة باستغلال الولاءات الطائفية و القبلية إلى فشل حكوماتها في تحقيق الاستقرار السياسي و إنجاز التوازنات التنموية في البلاد.
وقد كان ذلك هو المبرر الذي استندت عليه المغامرات العسكرية للاعتداء على الديمقراطية. و حتى تتلازم الحرية السياسية مع المسؤلية إتجاه القضايا الوطن الأساسية فلا بد من تواضع القوى الحزبية على الحد الضروري من معالجات هذه القضايا و وضع الضمانات الدستورية لها.
   لقد كان الديمقراطية الشكلية في ما مضى على حساب الغالبية المهمشة التي لم تكن سوى سند انتخابي لأحزاب لم تحقق لها شيئاً،  وهنا يستدعي الضرورة توحيد هذه القوى الاجتماعية الغالبة لتأخذ زمام الأمور في توظيف الحريات السياسية لتحقيق التطور الديمقراطي ببعده التنموي الاقتصادي والاجتماعي.
#فكرة
#نتواصل