السبت، 27 يوليو، 2013

النداء الي اصلاح الاسس و المباديء

                                                      النداء الي اصلاح الاسس و المباديء
                                                            بالقلم / نورالدين كوكى

* منذ أن نال السودان استقلاله وبدأ مسيرته دولة ناشئة، وحتى اليوم، لا يزال يسعى جاهدا لإحداث الانتقال من حال الضعف إلى حال القوة، متجاوزا معيقات تقدمه، ما ورثها من الاستعمار وما كانت كامنة فيه، يسعى لبناء دولته الحديثة، ليحقق التنمية والرفاهة، ويستوفي استقلال الأمة وسيادتها. وإن كان السودان قد كسب تحدي وجوده كدولة قائمة بإعلان الاستقلال، فإنه قد خسر تحدي استقراره السياسي، وأقعدته الخطوب عن القيام بواجبات النهوض والتنمية، بل إنه ليكاد في هذه اللحظة التاريخية يعود كرة أخرى ليواجه تحدي وجوده – الذي يفترض أنه قد تجاوزه.

* لقد تضافرت عوامل عدة منذ الاستقلال لتورث نظامنا السياسي علله الراهنة. أولها، علل الدولة التي اضمحلت على مر الأيام كفاءتها وحيدتها وهيبتها، وانحازت إلى وظيفة التنفيذ على حساب وظائف التشريع والرقابة، وإلى هموم الحكومات ومن يمسكون بها على حساب هموم المجتمع وسواد الناس. وقد غدت مؤسسات الدولة بلا استراتيجيات هادية، وضعف التزامها بحقوق المواطن وحرياته، وفي مقدمتها حرية التعبير وحرية التجمع والتنظيم، واختل نظام العدالة، سواء أكانت سياسية أم اجتماعية أم اقتصادية، وازداد داء الفساد المالي والإداري الذي أضحي مسلكاً لا يرتكبه بعض الأفراد فحسب بل نهج تسير به مؤسسات وهيئات باسم القانون والإجراءات الاستثنائية.

* ولقد تناصرت تلك العلل، مع علل أخرى لتورث البلاد ضائقة اقتصادية هي خليط من ضعف البنية الاقتصادية واضطراب السياسات. ونتج عن ذلك تراجع التنمية ومعاناة جميع فئات المجتمع خاصة الفقيرة، سوى قلة قليلة، مما أدى إلى اتساع الفروق الاجتماعية، ثم تضاعفت مهددات الدولة بنشوء الحركات المسلحة لانتزاع مطالبها بالمغالبة، فازداد بذلك عبء الحرب المثقل إلى الأعباء الأخرى.

* وإن أزمات السودان قد أصابت علاقاته الخارجية، حتى أصبح دولة استجابة لا مبادرة، بينما موقعه وتاريخه، كلاهما، يرشحانه لأن يقود المبادرات الإقليمية التي تعيد تشكيل المنطقة وعلاقاتها.

إن أخطر التهديدات التي يواجهها السودان اليوم جراء استخدام القبيلة أداة للتمكين السياسي المرحلي على حساب الوطن هي تفكك نسيجه الاجتماعي، وخطر أن يتحول التنوع فيه إلى وقود للاحتراب الأهلي عوضا عن أن يكون مصدر ثراء، وأن يصبح الفضاء السياسي ساحة للصراعات القبلية وللممارسات العنصرية والإقصائية.

* صحيح أن كثيرا من علل السودان وأزماته عمقها وعقدها التدخل الخارجي والتضييق على السودان واستهداف وحدته منذ الاستقلال، لكن ذلك لا يكفي مبررا وحيدا لرفع الملام عن أخطاء السياسة وعبء المسؤولية الذي يتحمله الحكم الوطني، إذ ما كان لكيد الخارج أن يحقق أهدافه لولا ضعف الثقة في المجتمع وتفكك عناصر المقاومة الداخلية.

* ومن ثم فإن المسؤولية الأخلاقية توجب النقد والمراجعة، دون خوف أو مواربة، ليس على صعيد الممارسة العملية فقط، بل على صعيد الأطروحات الفكرية والسياسية، حتى ينطلق مشروع إصلاحي حقيقي، يملك من الضمانات ما يكفي لعدم إعادة إنتاج التاريخ.

* إن مما يعقد التحديات والمخاطر التي يواجهها السودان هو غياب الرؤية الإستراتيجية تجاه الأوضاع الراهنة، وضعف المبادرات السياسية لحلها. لذلك فإن على القوى السياسية أن تنتقل من الشعارات والأهداف العريضة إلى اتخاذ مواقف جديدة تحمل معالجات عملية للتحديات والمخاطر. وهذه ليست مهمة لحزب واحد أو للحكومة وحدها، بل ينبغي النظر إليها ومقاربتها باعتبارها عبئاً وطنيا مشتركا ووظيفة عامة يتداعى إليها جميع السودانيين، فهذه الأوضاع ليست نتاج اللحظة الراهنة وحدها، بل هي نتاج تراكم تاريخي متصل. وليس الهدف من المبادرة تبرئة الذات وإلقاء المسؤولية على أفراد أو جماعة أو فئة، بل هي تنطلق من إحساس عميق ببالهم المشترك والمسؤولية التضامنية.

* إن المبادرة التي يطرحها هذا النداء ليست منبتة عن أصل ولا هي وليدة لحظة مفردة، بقدر ما هي امتداد لدعوات سبقت، وحوارات داخلية نقدية عميقة لتجربة الإنقاذ وللتجربة السياسية السودانية عامة. فهي بذلك محاولة للنظر والاقتباس من تلك المبادرات، بما في ذلك أدبيات القوى السياسية المختلفة، تطرح مساهمة في معالجة التحديات التي يواجهها السودان.

* ولا يصدر هذا النداء عن دعوى بامتلاك ناصية الحقيقة والاستئثار بجوهر الحكمة، لكنها تنطلق من إيمان بقدرة المجتمع على الفعل، وبأهلية الإنسان وإمكاناته لأن يمتلك مصيره برغم ما يحيط به من أسباب القنوط. ما تطمح إليه هذه المبادرة هو أن تبعث حراكاً إصلاحياً في أوصال السياسة وقواها المختلفة، حراكاً يتوسل إلى غاياته بتجميع صف السودانيين على الحدود الدنيا المتفق عليها لتكوين "جبهة سودانية متحدة" تقود التصدي لأهم واجبات المرحلة بالبناء على كل ما هو متفق عليه وتأجيل المختلف فيه إلى حين قيام انتخابات يرتضيها الجميع. حراكاً يؤسس لإقامة مجتمع مؤمن، وشعب حر، ودولة عادلة، وسلام مستدام، ووطن متحد، يستمد نهجه من سبل التدافع السلمي وتنظيم الإرادة الجماهيرية ودفعها وفق الدستور والقانون والأطر المدنية.

* وليس الحراك الإصلاحي ممارسة يحتكرها تيار أو فئة، بل هو فاعلية نقدية بنّاءة ومتجددة للتاريخ وواقع الممارسة السياسية في السودان، هدفه الأقصى بلورة مشروع سياسي تنموي شامل لتجاوز خيار الوهن والاحتقان السياسي والاجتماعي والتراجع الاقتصادي. ويرتكز هذا المشروع على المرجعية الإسلامية والقيم الحضارية التي أشار إليها الدستور عندما أكد أن الأديان "مصدر قوة وتوافق وإلهام". مرجعية تستمد قوتها ومضاءها من هدي الدين المؤكد لمبادئ الحرية والعدل وكرامة الإنسان، المعلي لمفهوم المسؤولية الفردية والجماعية، والصارم في إمضاء مبدأ المحاسبة وإزالة جميع أشكال الفساد والزيغ عن الاستقامة.

* إن الحراك الإصلاحي ليس بدءاً جديدا بالكلية، وإنما هو جهد يستند في أدبياته ومرجعياته على الحكم المستخلصة من التجربة السياسية السودانية متمثلة في دستوري السودان لسنتي 1998 و2005 اللذين قعد بهما سوء التطبيق أكثر مما أضرت بهما علل المضامين. ويعمل الحراك الإصلاحي على تحقيق أهدافه استناداً على قوة الحجة والحوار وتفعيل الأطر السياسية التشريعية والتنفيذية والشعبية، وفق ما يكفله الدستور والقانون وما تجيزه اللوائح والنظم وأعراف الممارسة، وذلك وفق المرجعيات التالية:

الإنسان

المبدأ الأول هو محورية الإنسان السوداني في رؤية الحراك الإصلاحي، الذي يهدف في جوهره إلى صيانة أمن الإنسان واحترام كرامته وحفظ دينه وحماية حريته وتحقيق رفاهة، وذلك بالانصياع التام لمقتضى تكريم الخالق للإنسان وبإطلاق طاقاته وممكناته على نحو معزز لمبادرة الفرد في مجتمعه، ومؤكد لدور المجتمع في توجيه الدولة ونظمها. إن حرية الضمير والتفكير والتعبير، وعدالة النظم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية لهي الأساس الذي ينهض عليه المجتمع المتآلف والفاعل، ولا يجوز بأي حال التضحية بالحرية من أجل الأمن، أو تعطيل العدل من أجل التمكين السياسي أو الاقتصادي لفئة أو جماعة.

الوطن ووحدته

الوطن بسلامه ووحدته في مقدمة الأولويات، لأن الوطن هو موضع التكليف وهو الفضاء الذي تتحقق فيه الهوية والكرامة ومعنى الانتماء، فالحفاظ على وحدته وسلامه الاجتماعي ونموه الاقتصادي والثقافي هدف أسمى للحراك الإصلاحي. ولكي ما يتحقق ذلك لابد من تحكيم مبادئ الدولة الحديثة والابتعاد عن النماذج التي تتخذ الدولة وسيلة لتغذية نزعات جهوية، أو مصالح طائفية، أو طموحات إيديولوجية على حساب المصلحة العامة ومقتضيات الشراكة الحقة في الوطن، إذ إن أولى لبنات مشروع البناء الإصلاحي هو تعميق مفهوم الشراكة والتكافؤ في الوطن واعتماد الحوار كطريق أنجع لصياغة التوافق الوطني الشامل والدائم، وذلك وفق الآتي:

الحرية والعدل هما أساس البناء الوطني الراسخ والناهض. فبسطهما وصيانتهما هو غاية الحراك الإصلاحي ومدار فعله.

(ب) المواطنة هي أساس الحقوق والواجبات.

(ج) تأكيد قومية أجهزة الدولة التشريعية والتنفيذية والقضائية وكفاءتها، بوضع الأسس والضوابط التي تمنع من جعل الدولة ملكية لفئة متغلبة، تستغلها وتسخرها لخدمة أهدافها والاستقواء بها إزاء شركائها في الوطن.

(د) إنفاذ الإرادة الشعبية في تكوين أجهزة الدولة ومحاسبتها، وذلك من خلال ترسيخ ثقافة الشورى وتبني الإجراءات الديمقراطية الصارمة لضمان شروط العدالة وتكافؤ الفرص.

(ح) اعتماد مبدأ التوازن والمركزية الإيجابية في السياسات الاقتصادية والتمثيل السياسي لترسيخ العدالة الاجتماعية ولمعالجة خلل التوازن في الفرص.

التنوع الثقافي والفكري والهوية الوطنية

الاحتفاء بالتنوع والتعددية التي يذخر بها السودان، باعتبارها آية ومنة من الله الخالق، وأنها مصدر ثراء وقوة جديرة بأن تحمى وتعزز في مناخ حر وصحي يدفع بالحوار الإيجابي والتفاعل الواعي. فللسودان هوية متميزة هي نتاج طبيعي لعمق تاريخه وثراء ثقافته وتنوع مكوناته البشرية والطبيعية، والهوية هي بالضرورة مجموع لمتعدد، ينبغي أن تحترم مكوناته وألا تستخدم كأساس للإقصاء أو الصراع أو تهديد روابط الإخاء والتعايش السلمي المشترك. ويستوجب احترام التنوع والإيمان بمبدأ الحوار البناء بين الأديان عطفاً على الأخوة في الوطن والإنسانية وعملا بواجب التعامل بالقسط والتعاون على البر والإحسان التي حضت عليها الشرائع السماوية، واجتناب المسالك التي تسعر الصراع الديني.

السلام

لئن كان السلام الدائم تحرسه القوة فإن الطريق إليه لا يتأتى إلا وفق بنية سياسية مستقرة يتراضى عليها الجميع، يؤمنون بها ويعملون على حمايتها وتطويرها. والتراضي الوطني شرطه إقامة العدل وتنفيذ حكم القانون وإزالة دواعي الغبن والاحتقان الاجتماعي والحيف الاقتصادي.

التوافق الوطني
                                                            
الأوطان خاصة في مراحل النمو والتشكل تحتاج لبنية سياسية لا مغالبة فيها ولا إقصاء. لذا، فالتوافق الوطني شرط لازم لبناء الدولة الوطنية الحديثة وليس خيار تحتمه أو تلغية توازنات السياسة المحضة. وللوصول لهذا التوافق الوطني لابد من ترسيخ ذهنية الانفتاح والتواصل، التي تعد الترياق الناجع ضد التعصب القبلي والجهوي والأيديولوجي الذي يهدد وجود السودان ويعوق فرص نموه وتطوره.

المصلحة والتعاون مع المحيط الإقليمي والعالمي

إن علاقات السودان الخارجية، الإستراتيجية منها والمرحلية، يجب أن تستند إلى أسس هي مزيج من المبادئ والمصالح الوطنية بما يؤدي إلى ترسيخ مفاهيم التعاون على البر وتحقيق المنافع المشروعة وفق المبادئ المشتركة والاحترام المتبادل بين السودان ومحيطه الإسلامي والإفريقي والعربي وبقية القوى والمنظومات الدولية، ويجب أن يكون السودان متعاونا مع كل القوى الخيرة من أجل دعم السلم والعدالة الدولية واحترام خيارات الشعوب.

التنمية والتحديث

من أهم أهداف الحراك الإصلاحي هو إحداث التنمية الشاملة في أبعادها الثقافية والاقتصادية والتقنية. والتحديث يعني التعاطي الواعي مع الحضارة الكونية بما يحفظ هوية الفرد والمجتمع، ويؤسس لمنظور نقدي مقارن بين الخصوصية والعولمة يسمح بإبداع أصيل للأفكار وإنتاج المعارف وإرساء دعائم النهضة.

ملحوظة: تتوقف هذه الوثيقة عند حدود الحجج التأسيسية للإصلاح، وتحجم عن تقديم صيغ ومقترحات عملية للإصلاح إلى وقت آخر قريب. ومع ذلك تظل هذه الورقة التأسيسية مفتوحة للجدل والإضافة والاستدراك من قبل المطلعين عليها، عملا بمبدأ الشورى المفتوحة التي تهدف للتجويد والتكميل.

السبت، 20 يوليو، 2013

من الميدان الثورة السودانية

                                                            الثورة : حراك في الميدان
                                                              بالقلم/ نورالدين كوكى

الثورة: انفجار الحراك، قد يُنبأ به، لكن لا يُحدد بتاريخ ما لم يك انقلابا عسكريا أو مقدمة تغيير ضمن خطة فيها توقيت لظرف وبتحضير.
بيد أن الثورة في التاريخ هي انفجار غوغائي يقوده مدرك للمسارات أو – على الأقل- المسار الذي يريده من مسارات متعددة هي في الواقع مصب الآلام والتفاعلات السلبية والإيجابية المشارب المتعددة والمتباينة، قليلها وكثيرها، حائزها ومن يعلم ما يفعل، ومن تحركه معدته أو ثقل الحياة بضيق الرزق، وحالة اللا توازن مع الظلم والاستبداد. عوامل كثيرة تصب في ميدان الثورة، وكل منها يتصور أنه يقودها وأنه قائم بها، والحقيقة أن من يقودها هو من انفجرت ثورته على مكث وأضحى ينتظر ذلك اليوم فيحرك الجموع باتجاه أهدافه.
عادة ما تكون الغوغاء هي السواد الأعظم من الثوار كما أنها السواد الأعظم من الثورة المضادة، وعادة ما يصبح رأس الثورة المضادة هو صاحب النفوذ والسلطة السابق والذي قامت عليه الثورة.
ولأن الغوغاء تتصور أنها المحرك للثورة وليس الكتلة التي تظهر على السطح فهم بعقليتهم السطحية يتصورون أن ما دفعهم للحراك أو الانضمام إليه سيتحقق، أما كيف؟ وبماذا؟ ومتى؟ فهذا لا يخطر على بالهم. وهنا نقطة الضعف التي تحول الثورات إلى مسيرة الاستبداد أو الفشل؛ فهذه الكتلة الجائعة ذات الحاجات التي تعيش في عالم الأشياء، حين يتطلب منها التضحية أو الصمود أمام الاحتلال الاقتصادي الذي يرافق الثورات عادة وإعادة التنظيم، يصبح هذا الطلب اعتداء وخيانة، بل -في تصورها- لم تحصل على ما تريد وهي من قام بالثورة، غير مدركة أن جموعها هذه ممكن أن يبددها الحاكم إذا أراد ما لم يك هنالك من يخطط, ومن يعمل, ومن هو متجهز لاستمرار الثورة وحراكها، وهنا تأتي تلك القلوب المريضة المسيطرة على الاقتصاد والإعلام، لتتحد مع من يتصور أن ثورته قد سرقت لتستغله كجسد لثورة مضادة بعد حرب وإعداد ومقدمات تصنعها، وتخاطب النفس الطرية من حاجاتها وغرائزها، فتسخدم النفوذ والمال والأعلام لتحرك الثورة المضادة.
إنه الذهب الأصفر والمال الذي سيصنع عجلا وأهدافا ومهدي ذاهب في مهمة، هم لا يريدون القيادة أو الرياسة بل يريدون الظرف / البيئة التي يستطيعون فيها استئناف فسادهم لذا فهم لايبحثون عن مصلحتهم في الطريق المؤدلج العارف ذي المهمة المشغول بمهمته، بل مع أصحاب الحوائج والأهواء, ومع السفهاء الذين لا قيم لهم.
وتلتقي مصالح الخارج والداخل، ذلك الخارج الذي يربط مصالحه ويؤسس لها مع الفاسدين منذ زمن طويل.
ولحفظ الثورة لابد من سد الحاجات لذوي الاحتياجات. لابد من إطفاء النار في الجسد الهش، لكن ذاك يحتاج لمال وقوة وليس للين أو أفكار، فالأفكار معرضة للتشويه والتشويش وأخطاء العامل كثيرة, تزداد مع السرعة والرغبة في الإنجاز، وبالتالي، فهو يشكل السهام التي تقطع الحبل الضعيف الذي ربطه وجسم الثورة وبأقواس هؤلاء المتربصين.
إن القوة والقضاء على مراكز القوى دون مجاملة أمر لابد منه، والرحمة هنا ضعف بل انتحار، وسيحتج هؤلاء بالقوانين والدساتير، الثورة لم تأت للحفاظ على هياكل عفنة ولم تأت للحفاظ على آلهة جاهلية، ولا تبقي تقديسا لمقدس سابق، بل تفكك كل شيء فهي أصلا خرق لكل القوانين والدساتير والنظم.
إن من أخطاء الثورات هي تصديقها لكذبة اخترعتها في وقت ما وهي تناور في رعب، ومن أخطاء الثورات تجاهل أن ليس كل الناس تهمهم القيم والمبادئ، ومن أخطاء الثورات الأيادي الرحيمة على أناس مردوا على النفاق (وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِّنَ ٱلأَعْرَابِ مُنَٰفِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى ٱلنِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٍ) يدعون التوبة وما هم بتائبين ينتظرون أن تدور الدائرة على الثائرين.
إن العدالة الانتقالية ليست التسامح واذهبوا فأنتم الطلقاء؛ لأن اذهبوا وأنتم الطلقاء لم تأت على محاربين مقاتلين.
إن الثورة كي يكون لها نتائج لابد ألا تفكر بالسير الحثيث إلى الأمام؛ بل لابد من تأمين طريق السير ودفع المفارز التي تستكشف الطريق، فهي عملية حربية من حملة المبادئ لإنقاذ جمع من العشيرة موبوء مريض وتطبيبه وإطعامه
-