تعديل

Cool Text: مولد الشعارات والجرافيكس
اخر الاخبار
التحميل

الأحد، 16 سبتمبر، 2012

نظام علمانية


علمانية

مظاهرة في بيروت تطالب بالعلمانية.
العَلمانية تعني اصطلاحاً فصل الدين والمعتقدات الدينية عن السياسة، وقد تعني أيضاً عدم قيام الحكومة أو الدولة بإجبار أي أحد على اعتناق وتبني معتقد أو دين أو تقليد معين لأسباب ذاتية غير موضوعية،[1][2]. كما تكفل الحق في عدم اعتناق دين معيّن وعدم تبني دين معيّن كدين رسمي للدولة. وبمعنى عام فإن هذا المصطلح يشير إلى الرأي القائل بأن الأنشطة البشرية والقرارات وخصوصًا السياسية منها يجب أن تكون غير خاضعة لتأثير المؤسسات الدينية.

تعود جذور العلمانية إلى الفسلفة اليونانية القديمة لفلاسفة يونانيين أمثال إبيقور، غير أنها خرجت بمفهومها الحديث خلال عصر التنوير الأوروبي على يد عدد من المفكرين أمثال توماس جيفرسون وفولتير وسواهما. ينطبق نفس المفهوم على الكون والأجرام السماوية عندما يُفسّر النظام الكوني بصورة دنيوية بحتة بعيداً عن الدين في محاولة لإيجاد تفسير للكون ومكوناته. ولا تعتبر العلمانيّة شيءًا جامدًا بل هي قابلة للتحديث والتكييف حسب ظروف الدول التي تتبناها، وتختلف حدة تطبيقها ودعمها من قبل الأحزاب أو الجمعيات الداعمة لها بين مختلف مناطق العالم. كما لا تعتبر العلمانية ذاتها ضد الدين بل تقف على الحياد منه، في الولايات المتحدة مثلاً وُجد أن العلمانية خدمت الدين من تدخل الدولة والحكومة وليس العكس.[3]
محتويات
  [أخف]  1 التعريف والنشأة
 2 الدولة العلمانية
 3 علاقة العلمانية بالليبرالية والديمقراطية
 4 الحجج المؤيدة والمعارضة للعلمانية
 5 مراحل العلمانية 5.1 مرحلة التحديث
 5.2 مرحلة الحداثة
 5.3 مرحلة ما بعد الحداثة
6 العلمانية في الدول المسلمة
جون لوك الفيلسوف والمفكر الإنكليزي (1632 -1704) أحد الداعين إلى نظام يفصل الدين عن الدولة، ويطلق الحريات العامة.
العلمانية في العربية مشتقة من مفردة عَلَم وهي بدورها قادمة من اللغات السامية القريبة منها؛ أما في الإنجليزية والفرنسية فهي مشتقة من اليونانية بمعنى "العامة" أو "الشعب" وبشكل أدق عكس الإكليروس أو الطبقة الدينية الحاكمة؛ وإبان عصر النهضة بات المصطلح يشير إلى القضايا التي تهم العامة أو الشعب بعكس القضايا التي تهم خاصته. أما في اللغات السامية ففي السريانية تشير كلمة ܥܠܡܐ (نقحرة: عَلما) إلى ما هو منتمي إلى العالم أو الدنيا أي دون النظر إلى العالم الروحي أو الماورائي، وكذلك الأمر في اللغة العبرية: עולם (نقحرة: عُولَم) والبابلية وغيرهم؛ وبشكل عام لا علاقة للمصطلح بالعلوم أو سواها وإنما يشير إلى الاهتمام بالقضايا الأرضية فحسب.[4]
الكاتب الإنكليزي جورج هوليوك (1817 -1906) أول من نحت مصطلح "علمانية" عام 1851.
وتقدم دائرة المعارف البريطانية تعريف العلمانية بكونها: "حركة اجتماعية تتجه نحو الاهتمام بالشؤون الأرضية بدلاً من الاهتمام بالشؤون الآخروية. وهي تعتبر جزءًا من النزعة الإنسانية التي سادت منذ عصر النهضة الداعية لإعلاء شأن الإنسان والأمور المرتبطة به بدلاً من إفراط الاهتمام بالعزوف عن شؤون الحياة والتأمل في الله واليوم الأخير. وقد كانت الإنجازات الثقافية البشرية المختلفة في عصر النهضة أحد أبرز منطلقاتها، فبدلاً من تحقيق غايات الإنسان من سعادة ورفاه في الحياة الآخرة، سعت العلمانية في أحد جوانبها إلى تحقيق ذلك في الحياة الحالية".[5]

أقدم التلميحات للفكر العلماني تعود للقرن الثالث عشر في أوروبا حين دعا مارسيل البدواني في مؤلفه «المدافع عن السلام» إلى الفصل بين السلطتين الزمنية والروحية واستقلال الملك عن الكنيسة في وقت كان الصراع الديني الدينيوي بين بابوات روما وبابوات أفنيغون في جنوب فرنسا على أشده؛ ويمكن تشبيه هذا الصرع بالصراع الذي حصل بين خلفاء بغداد وخلفاء القاهرة.[6] وبعد قرنين من الزمن، أي خلال عصر النهضة في أوروبا كتب الفيلسوف وعالم اللاهوت غيوم الأوكامي حول أهمية: "فصل الزمني عن الروحي، فكما يترتب على السلطة الدينية وعلى السلطة المدنية أن يتقيدا بالمضمار الخاص بكل منهما، فإن الإيمان والعقل ليس لهما أي شيء مشترك وعليهما أن يحترما استقلالهما الداخلي بشكل متبادل."[7] غير أن العلمانية لن تنشأ كمذهب فكري وبشكل مطرد إلا في القرن السابع عشر، ولعلّ الفيلسوف اليهودي الملحد إسبينوزا كان أول من أشار إليها إذ قال أن الدين يحوّل قوانين الدولة إلى مجرد قوانين تأديبية. وأشار أيضًا إلى أن الدولة هي كيان متطور وتحتاج دومًا للتطوير والتحديث على عكس شريعة ثابتة موحاة. فهو يرفض اعتماد الشرائع الدينية مطلقًا مؤكدًا إن قوانين العدل الطبيعية والإخاء والحرية هي وحدها مصدر التشريع.[8] وفي الواقع فإن إسبينوزا عاش في هولندا أكثر دول العالم حرية وانفتاحًا آنذاك ومنذ استقلالها عن إسبانيا، طوّر الهولنديون قيمًا جديدة، وحوّلوا اليهود ومختلف الأقليات إلى مواطنين بحقوق كاملة، وساهم جو الحريّة الذي ساد إلى بناء إمبراطورية تجارية مزدهرة ونشوء نظام تعليمي متطور، فنجاح الفكرة العلمانية في هولندا، وإن لم تكتسب هذا الاسم، هو ما دفع حسب رأي عدد من الباحثين ومن بينهم كارن أرمسترونغ إلى تطور الفكرة العلمانية وتبينها كإحدى صفات العالم الحديث.[9]
الرئيس الثالث للولايات المتحدة توماس جيفرسون والذي صرّح: إن الحقيقة تسود إذا ما سمح للناس بالاحتفاظ بآرائهم وحرية تصرفاتهم. بريشة بيلي، 1800.
الفيلسوف الإنكليزي جون لوك كتب في موضوع العلمانية: "من أجل الوصول إلى دين صحيح، ينبغي على الدولة أن تتسامح مع جميع أشكال الاعتقاد دينيًا أو فكريًا أو اجتماعيًا، ويجب أن تنشغل في الإدارة العملية وحكم المجتمع فقط، لا أن تنهك نفسها في فرض هذا الاعتقاد ومنع ذلك التصرف. يجب أن تكون الدولة منفصلة عن الكنيسة، وألا يتدخل أي منهما في شؤون الآخر. هكذا يكون العصر هو عصر العقل، ولأول مرة في التاريخ البشري سيكون الناس أحرارًا، وبالتالي قادرين على إدراك الحقيقة".[10]

تعريف مختصر للعلمانية يمكن إيضاحه بالتصريح التالي لثالث رؤساء الولايات المتحدة الإمريكية توماس جيفرسون، إذ صرّح: "إن الإكراه في مسائل الدين أو السلوك الاجتماعي هو خطيئة واستبداد، وإن الحقيقة تسود إذا ما سمح للناس بالاحتفاظ بآرائهم وحرية تصرفاتهم". تصريح جيفرسون جاء لوسائل الإعلام بعد أن استعمل حق النقض عام 1786 ضد اعتماد ولاية فيرجينيا للكنيسة الأنجليكانية كدين رسمي، وقد أصبح الأمر مكفولاً بقوة الدستور عام 1789 حين فصل الدين عن الدولة رسميًا فيما دعي «إعلان الحقوق». ويفسر عدد من النقاد ذلك بأن الأمم الحديثة لا يمكن أن تبني هويتها على أي من الخيارات الطائفية، أو تفضيل الشريحة الغالبة من رعاياها سواءً في التشريع أو في المناصب القيادية، فهذا يؤدي إلى تضعضع بنيانها القومي من ناحية، وتحولها إلى دولة تتخلف عن ركب التقدم بنتيجة قولبة الفكر بقالب الدين أو الأخلاق أو التقاليد.[11]

أول من ابتدع إلى مصطلح علمانية هو الكاتب البريطاني جورج هوليوك عام 1851، غير أنه لم يقم بصياغة عقائد معينة على العقائد التي كانت قد انتشرت ومنذ عصر التنوير في أوروبا؛ بل اكتفى فقط بتوصيف ما كان الفلاسفة قد صاغوه سابقًا وتخيله هوليوك، من نظام اجتماعي منفصل عن الدين غير أنه لا يقف ضده إذ صرح: "لا يمكن أن تفهم العلمانية بأنها ضد المسيحية هي فقط مستقلة عنها؛ ولا تقوم بفرض مبادئها وقيودها على من لا يود أن يلتزم بها. المعرفة العلمانية تهتم بهذه الحياة، وتسعى للتطور والرفاه في هذه الحياة، وتختبر نتائجها في هذه الحياة".[12] بناءً عليه، يمكن القول أن العلمانية ليست أيديولوجيا أو عقيدة بقدر ما هي طريقة للحكم، ترفض وضع الدين أو سواه كمرجع رئيسي للحياة السياسية والقانونية، وتتجه إلى الاهتمام بالأمور الحياتية للبشر بدلاً من الأمور الأخروية، أي الأمور المادية الملموسة بدلاً من الأمور الغيبية
من المختلف عليه وضع تعريف واضح للدولة العلمانية؛ وفي الواقع فهو تعريف يشمل ثلاث جوانب أساسية، ويتداخل مع مفهوم دين الدولة أو الدين ذو الامتياز الخاص في دولة معينة. هناك بعض الدول تنصّ دساتيرها صراحة على هويتها العلمانية مثل الولايات المتحدة وفرنسا وكوريا الجنوبية والهند وكندا. بعض الدول الأخرى، لم تذكر العلمانية في دساتيرها ولكنها لم تحدد دينًا للدولة، وتنصّ قوانينها على المساواة بين جميع المواطنين وعدم تفضيل أحد الأديان والسماح بحرية ممارسة المعتقد والشرائع الدينية، وإجراء تغيير في الدين بما فيه الإلحاد أو استحداث أديان جديدة بما يشكل صونًا لحقوق الإنسان وحقوق الأقليات الدينية،[13] وهي بالتالي تعتبر دولاً علمانية. هناك الشريحة الثالثة من الدول وتنصّ دساتيرها على دين الدولة معيّن كمصر وموناكو واليونان غير أن دساتيرها تحوي المبادئ العلمانية العامة، كالمساواة بين جميع مواطنيها وكفالة الحريات العامة، مع تقييد لهذه الحريات، يختلف حسب الدول ذاتها. في مالطا وهي دولة تتخذ المسيحية الكاثوليكية دينًا لها يعتبر الإجهاض محرمًا بقوة القانون، وذلك مراعاة للعقائد الكاثوليكية، ومع ذلك فإن نسب تقييد الحريات العامة في مالطا هو أقل بكثير مما هو عليه في دول أخرى كمصر حيث تعتبر الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع ما أدى إلى قيود حول تغيير الدين أو بناء دور عبادة غير إسلامية إلى جانب تشريع تعدد الزوجات وغيرها من القضايا المرتبطة بقانون الأحوال الشخصية. المثل المصري ينطبق على عدد من الدول الأخرى، ما دفع بعض الباحثين لاجراء تعديلات اصطلاحية فأحلت "الدولة المدنية" بدلاً من "الدولة العلمانية" واقترح البعض "دولة مدنية بمرجعية دينية"، غير أن ذلك حسب رأي بعض الباحثين يفرغ مبادئ المساواة والحريات العامة من مضمونها ويحصرها في قالب معيّن ما يعني دولة دينية وإن بإطار مدني.[14] أما الدول الأقرب لنموذج مالطا فمن المتفق عليه وصفها دولاً علمانية، إلى جانب بعض التحفظات كعبارة "حياد الدولة تجاه الدين" بدلاً من "فصل الدولة عن الدين".

لا يزال النقاش يدور في الدولة المصنفة علمانيًا حول مدى الالتزام بفصل الدين عن الدولة؛ ففي فرنسا جدول العطل الرسمية مقتبس بأغلبه من الأعياد الكاثوليكية، وكذلك تقدم الدولة من أموال دافعي الضرائب تمويلاً للمدارس الدينية؛[15] أما في الهند وهي أيضًا دولة تنصّ على العلمانية الكاملة، تقدّم الدولة سنويًا إعانات للحجاج المسلمين وصل في عام 2007 إلى 47454 روبية عن كل حاج هندي.[16] أما دستور أستراليا وهي دولة علمانية رغم عدم ورود العبارة صراحة، يذكر في المادة السادسة عشر بعد المئة، على عدم تقييد أي حرية دينية أو ممارسة للشعائر الدينية أو تمييز بين معتنقي مختلف الأديان في مناصب الدولة والحياة العامة، ومع ذلك فإن الدستور ذاته يبدأ بعبارة " بتواضع، نعتمد على نعمة الله المتعالي"[17] (بالإنجليزية: Humble reliance on the blessing of Almighty God)، وسوى ذلك فإن الحكومة الأسترالية تدعم الصلاة المسيحية في المدارس الحكومية وتمول المدارس الدينية التي تعدّ القسس الجدد وكذلك رجال الدين. الحال كذلك في سويسرا وفي الولايات المتحدة الإمريكية، وإن بدرجات متفاوتة لا تشمل في جميع الظروف تقييد أي حرية دينية أو ممارسة للشعائر الدينية أو تمييز بين معتنقي مختلف الأديان في مناصب الدولة والحياة العامة فهي من المبادئ المشتركة بين جميع الدول المصنفة كعلمانية.

علاقة العلمانية بالليبرالية والديمقراطية

العلمانية بمعنى أشمل قد تعني فصل الدين عن الممارسات (ومن ضمنها الحياة الشخصية) قد يكون هو الأكثر تميّزا من معارّفها بمعناها الضيق والذي يعني فصل الدين عن الدولة مع بعض مبادئ الليبرالية، حيث تذكر الموسوعة البريطانية ذلك المعنى ضمن الليبرالية [18].

من جهة اُخرى فإن الديمقراطية بمعناها الضيق وهو حكم الأغلبية بدون الاهتمام لحريات الأفراد وهو ما يدعى بالديمقراطية اللاليبرالية، فإنها بهذا المعنى لا تقتضي فصل الدين عن الدولة بالضرورة بل تعتمد على اختيار أغلبية الشعب التي قد تكون دينية كما يمكن أن تكون لادينية. لكن إذا أدخلنا حرية التعبير اللازمة لمنافسة عادلة للمعارضة السياسية في تعريف الديمقراطية فيستلزم ذلك فصل الدين عن الدولة بما يسمح بحرية الأفراد في التعبير بلا قيود دينية إذ بدون هذه الحرية لا يمكن للسياسيين والمفكرين العلمانيين أن يعبّروا عن آرائهم مما يخل بمبدأ الحرية الأساسية للدعاية الانتخابية التي يمكن أن تتضمن ما هو مخالف للدين.

كذلك فإن العلمانية بمعناها الضيق ليست الا جزءا من معنى الليبرالية فهي تفصل الدين فقط عن الدولة وهذا لا يكفي لضمان حرية وحقوق الأفراد بينما تفصل الليبرالية جميع المعتقدات الشمولية عن الدولة سواء كانت دينية أو غير دينية، ومن أمثلة انتهاك حريات وحقوق الأفراد لأسباب غير دينية حكم ستالين في الاتحاد السوفيتي السابق، وحكم هتلر في ألمانيا النازية.

أما المعنى الأشمل للعلمانية المتمثل بفصل الدين عن الحياة والاهتمام بها على حساب الدين فهو واحد من الخيارات التي تتيحها الليبرالية لأفرادها كما تتيح لهم أيضا الاهتمام بالدين على حساب الحياة إذا رغبوا ذلك بشرط عدم إرغام الأفراد على أي رأي معيّن بشأن الدين أو غيره.

الحجج المؤيدة والمعارضة للعلمانية:-

الحجج التي تدعم العلمانية تختلف اختلافاً كبيراً. ذهب البعض إلى أن العلمانية هي حركة في اتجاه التحديث، بعيداً عن القيم الدينية التقليدية. هذا النوع من العلمانية، وعلى المستوي الاجتماعي أو الفلسفي، فقد وقعت في كثير من الأحيان مع الاحتفاظ به الكنيسة الرسمية للدولة أو غيرها من دعم الدولة للدين. في الولايات المتحدة، يقول البعض أن الدولة العلمانية قد ساعدت إلى حد كبير في حماية الدين من التدخل الحكومي، في حين أن العلمانية على المستوي الاجتماعي أقل انتشاراً داخل البلدان أيضاً، غير أنه يختلف دعم الحركات السياسية للعلمانية لأسباب متفاوتة.

يجادل معارضوا الحكومة العلمانية بأنها تخلق من المشاكل أكثر مما تحل، وأن حكومة دينية (أو على الاقل ليست علمانية) ستكون أفضل. بعض المسيحيين يجادلون بأن في إمكان الدولة المسيحية إعطاء المزيد من حرية الدين أكثر مما تعطيه دولة علمانية، وأشاروا إلى النرويج وايسلندا وفنلندا والدانمرك، مع جميع الصلات الدستورية بين الكنيسة والدولة، ولكن كما اعترف أكثر تقدمية وليبرالية من بعض البلدان دون هذا الربط. على سبيل المثال، ايسلندا كانت من بين أوائل البلدان الساعية إلى تقنين الاجهاض، والحكومة الفنلندية وفرت التمويل اللازم لبناء المساجد.

يستشهد العلمانيون بأوروبا في العصور الوسطى بفشل النظام الشمولي لما بلغت إليه أوروبا من تردي عندما حكمت الكنيسة أوروبا وتعسّفها تجاه كل صاحب فكر مغاير لها. لذلك فهم يرتؤون أن الكنيسة لا يجب أن تخرج من نطاق جدران الكنيسة لتتحكم في قوانين الميراث والوقوف في وجه النهضة العلمية ونعتها بالسحر إبّان العصور الوسطى.

على أرض الواقع يعلن كثير من العلمانيين (العرب باللأخص) أنهم يؤمنون بالدين ولكن بشكل تجديدي عصري، متطور متحرك. فيتحول الخلاف الرئيس بين المؤيدين والمعارضين للعلمانية (اللادينية) إلى اختلاف حول طبيعة الإنسان ما بين الثبات والتغير؛ وموقف الشريعة من ذلك ما بين الجمود والمرونة. فيرى العلمانيون أن الإنسان كائن متغير ومن ثم ينبغي أن تكون الأحكام التي تنظم حياته متغيرة، فلا تصلح له شريعة جوهرها الثبات. وأن هذا يعني الحجر على الإنسان والحكم عليه بالجمود الأبدي.

بينما يرى المعارضون ان الإنسان ليس صحيحاً أن جوهره التغير، فبالرغم من هذا التغير الهائل، الذي حدث في دنيا الإنسان، لم تتغير ماهيته؛ ولا استحال جوهر إنسان العصر الذري عن جوهر إنسان العصر الحجري. فجوهر الإنسان، ليس ما يأكله الإنسان، أو ما يلبسه الإنسان، أو ما يسكنه الإنسان، أو ما يركبه الإنسان، أو ما يستخدمه الإنسان، أو ما يعرفه الإنسان من الكون من حوله، أو عما يقدر عليه من تسخير طاقاته لمنفعته، ولكن الواقع أن الإنسان في جوهره وحقيقته بقي هو الإنسان، منذ عهد أبي البشر آدم إلى اليوم، لم تتبدل فطرته، ولم تتغير دوافعه الأصلية، ولم تبطل حاجاته الأساسية، التي كانت مكفولة له في الجنة، وأصبح عليه بعد هبوطه منها أن يسعى لإشباعها. ولذلك فان إنسان القرن الحادي والعشرين، أو ما بعد ذلك، لا يستغنى عن هداية الله المتمثلة في وصاياه وأحكامه، التي تضبط سيره، وتحفظ عليه خصائصه، وتحميه من نفسه وأهوائها.

بخصوص جمود شريعة جوهرها الثبات، فيعتقد المعارضون أن التزام الإنسان بشريعة الله لا يعني الحجر عليه، ولا الحكم عليه بالحجر الأبدي، لأن هذا يصح، لو كانت الشريعة تقيد الإنسان في كل حياته بأحكام جزئية تفصيلية. والشريعة ليست كذلك، فقد تركت للعقل الإنساني مساحات واسعة يجول فيها ويصول قالب:موقع الدكتور يوسف القرضاوى في بحث بعنوان الشريعة والحجر على الانسان. منها: شئون الدنيا الفنية، التي فسح له المجال فيها، ليبتكر ويبتدع ما شاء "أنتم أعلم بأمور دنياكم" رواه مسلم، ومنها: منطقة الفراغ من التشريع، والإلزام في شئون الحياة والمجتمع، التي يطلق عليها: "منطقة العفو"، أخذاً من الحديث النبوي: "ما أحل الله، فهو حلال، وما حرمه فهو حرام، وما سكت عنه، فهو عفو، فاقبلوا من الله عافيته، فإن الله لم يكن لينسى شيئا، ثم تلا (وما كان ربك نسياً) (سورة مريم:64) الحديث.

ومثله حديث: "إن الله فرض فرائض، فلا تضيعوها، وحد حدودا فلا تعتدوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء، رحمة بكم غير نسيان، فلا تبحثوا عنها" رواه الدارقطني، وهو من أحاديث الأربعين النووية. ومنها: أن ما ينص عليه، إنما يتناول ـ في الغالب ـ المبادئ والأحكام العامة، دون الدخول في التفصيلات الجزئية، إلا في قضايا معينة من شأنها الثبات، ومن الخير لها أن تثبت، كما في قضايا الأسرة، التي فصل فيها القرآن تفصيلاً، حتى لا تعبث بها الأهواء، ولا تمزقها الخلافات، ولهذا قال المحققون من العلماء: إن الشريعة تفصل فيما لا يتغير، وتجمل فيما يتغير، بل قد تسكت عنه تماماً.

عن أن ما فصلت فيه الأديان، كثيراً ما يكون التفصيل فيه بنصوص قابلة لأكثر من تفسير، ومحتملة لأكثر من رأي، فليست قطعية الدلالة، ومعظم النصوص كذلك، ظنية الدلالة، ظنية الثبوت، وهذا يعطي المجتهد ـفرداً أو جماعةـ فرصة الاختيار والانتقاء، أو الإبداع والإنشاء.

هذا إلى ما قرره العلماء: أن الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان والعرف والحال، وأن للضرورات أحكامها، وأن الأمر إذا ضاق اتسع، وأن المشقة تجلب التيسير، وأن الله يريد بعبادة اليسر، ولا يريد بهم العسر، وما جعل عليهم في الدين من حرج.

ولكل هذا يرون أن الشريعة ليست أغلالاً في أعناق الناس، ولا قيوداً في أرجلهم، بل هي علامات هادية، ومنارات على الطريق، وقواعد للسير حتى لا يصطدم الناس بعضهم ببعض، فتذهب الأرواح والأموال. فيسألون لماذا نقبل قوانين الله الكونية، ولا نقبل قوانينه الشرعية؟! لماذا نقبل سنن الله في خلقه، ونرفض سننه في أمره، وهو في كلا الحالين: العليم الذي لا يجهل، والحكيم الذي لا يعبث؟! بل يرون أن من تمام حكمة الله وبره بعبادة ورحمته بهم، ألا يدعهم هملاً، ولا يتركهم سدى، وأن يلزمهم بما فيه مصلحتهم، والرقي بأفرادهم وجماعاتهم.

ولهذا فالشرائع -في رأى المعارضين- أودع الله فيها عنصرى الثبات والخلود، وعنصر المرونة والتطور معاً، ففى تحديد مجالات الثبات والمرونة يقولون: إنه الثبات على الأهداف والغايات، والمرونة في الوسائل والأساليب. الثبات على الأصول والكليات، والمرونة في الفروع والجزئيات. الثبات على القيم الدينية والأخلاقية، والمرونة في الشئون الدنيوية والعلمية.

فالأحكام عندهم نوعان:

نوع: لا يتغير عن حالة واحدة مر عليها، لا بحسب الأزمنة ولا الأمكنة، ولا اجتهاد الأئمة، كوجوب الواجبات، وتحريم المحرمات، والحدود المقدرة بالشرع على الجرائم، ونحو ذلك. فهذا لا يتطرق إليه تغيير، ولا اجتهاد يخالف ما وضع عليه.

والنوع الثاني: ما يتميز بحسب اقتضاء المصلحة له زمانا ومكاناً وحالاً، كمقادير التعزيرات وأجناسها وصفاتها، فإن الشارع ينوع فيها حسب المصلحة.

[عدل] مراحل العلمانية

مرّت العلمانية الشاملة بثلاث مراحل أساسية:

[عدل] مرحلة التحديث

اتسمت هذه المرحلة بسيطرة الفكر النفعي على جوانب الحياة بصورة عامة، فلقد كانت الزيادة المطردة من الإنتاج هي الهدف النهائي من الوجود في الكون، ولذلك ظهرت الدولة القومية العلمانية في الداخل والاستعمار الأوروبي في الخارج لضمان تحقيق هذه الزيادة الإنتاجية. واستندت هذه المرحلة إلى رؤية فلسفية تؤمن بشكل مطلق بالمادية وتتبنى العلم والتكنولوجيا المنفصلين عن القيمة، وانعكس ذلك على توليد نظريات أخلاقيّة ومادية تدعو بشكل ما لتنميط الحياة، وتآكل المؤسسات الوسيطة مثل الأسرة.

[عدل] مرحلة الحداثة

هي مرحلة انتقالية قصيرة استمرت فيها سيادة الفكر النفعي مع تزايد وتعمق آثاره على كافة أصعدة الحياة، فلقد واجهت الدولة القومية تحديات بظهور النزعات العرقية، وكذلك أصبحت حركيات السوق (الخالية من القيم) تهدد سيادة الدولة القومية، واستبدل الاستعمار العسكري بأشكال أخرى من الاستعمار السياسي والاقتصادي والثقافي، واتجه السلوك العام نحو الاستهلاكية الشرهة.

[عدل] مرحلة ما بعد الحداثة

في هذه المرحلة أصبح الاستهلاك هو الهدف النهائي من الوجود ومحركه الحرية واللهو والتملك، واتسعت معدلات العولمة لتتضخم مؤسسات الشركات متعددة الجنسيات والمنظمات غير الحكومية الدولية وتتحول القضايا العالمية من الاستعمار والتحرّر إلى قضايا المحافظة على البيئة والمساواة بين المرأة والرجل وبين الناس وحماية حقوق الإنسان ورعاية الحيوان وثورة المعلومات. من وجهة أخرى ضعفت في المجتمعات الصناعية المتقدمة مؤسسات اجتماعية صغيرة بطبعها مثل الأسرة، بسبب الأسهاب في مسالة المساوة بين الرجل والمرأة، وظهرت بجانبها اشكالا أخرى للمعيشة العائلية مثل زواج الرجال أو زواج النساء، وزاد عدد النساء التي يطلبن الطلاق فشاعت ظاهرة امرأة وطفل أو امرأتان وأطفال، كل ذلك مستنداً على خلفية من غياب الثوابت والمعايير الحاكمة لأخلاقيات المجتمع والتطور التكنولوجي الذي يتيح بدائل لم تكن موجودة من قبل.

[عدل] العلمانية في الدول المسلمة

رغم أنبثاق مصطلح العلمانية من رحم التجربة الغربية، إلا أنه انتقل إلى القاموس العربي الإسلامي، مثيراً بذلك جدلاً حول دلالاته وأبعاده. والواقع أن الجدل حول مصطلح العلمانية في ترجمته العربية يعد إفرازاً طبيعياً لاختلاف الفكر والممارسة العربية الإسلامية عن السائد في البيئة التي أنتجت هذا المفهوم، لكن ذلك لم يمنع المفكرين العرب من تقديم إسهاماتهم بشأن تعريف العلمانية. تختلف إسهامات المفكرين العرب بشأن تعريف مصطلح العلمانية، فعلى سبيل المثال:
 يرفض المفكر المغربي محمد عابد الجابري تعريف مصطلح العلمانية باعتباره فقط فصل الكنيسة عن الدولة، لعدم ملاءمته للواقع العربي الإسلامي، ويرى استبداله بفكرة الديموقراطية "حفظ حقوق الأفراد والجماعات"، والعقلانية "الممارسة السياسية الرشيدة".
 في حين يرى د. وحيد عبد المجيد الباحث المصري أن العلمانية (في الغرب) ليست فكرانية (أيديولوجية)(منهج عمل)، وإنما مجرد موقف جزئي يتعلق بالمجالات غير المرتبطة بالشؤون الدينية. ويميز د. وحيد بين "العلمانية اللادينية" -التي تنفي الدين لصالح سلطان العقل- وبين "العلمانية" التي نحت منحى وسيطاً، حيث فصلت بين مؤسسات الكنيسة ومؤسسات الدولة مع الحفاظ على حرية الكنائس والمؤسسات الدينية في ممارسة أنشطتها.
 في المنتصف يجيء د. فؤاد زكريا -أستاذ الفلسفة- الذي يصف العلمانية بأنها الدعوة إلى الفصل بين الدين والسياسة، ملتزماً الصمت إزاء مجالات الحياة الأخرى (مثل الأدب). وفي ذات الوقت يرفض سيطرة الفكر المادي النفعي، ويضع مقابل المادية "القيم الإنسانية والمعنوية"، حيث يعتبر أن هناك محركات أخرى للإنسان غير الرؤية المادية.
 ويقف د. مراد وهبة - أستاذ الفلسفة- وكذلك الكاتب السوري هاشم صالح إلى جانب "العلمانية الشاملة" التي يتحرر فيها الفرد من قيود المطلق والغيبيّ وتبقى الصورة العقلانية المطلقة لسلوك الفرد، مرتكزاً على العلم والتجربة المادية.
 ويتأرجح د. حسن حنفي-المفكّر البارز صاحب نظرية اليسار الإسلامي- بين العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة ويرى أن العلمانية هي "فصل الكنيسة عن الدولة" كنتاج للتجربة التاريخية الغربية. ويعتبر د. حنفي العلمانية -في مناسبات أخرى- رؤية كاملة للكون تغطي كل مجالات الحياة وتزود الإنسان بمنظومة قيمية ومرجعية شاملة، مما يعطيها قابلية للتطبيق على مستوي العالم. من جانب آخر، يتحدث د.حسن حنفي عن الجوهر العلماني للإسلام -الذي يراه ديناً علمانياً للأسباب التالية:
 1.النموذج الإسلامي قائم على العلمانية بمعنى غياب الكهنوت، أي بعبارة أخرى المؤسسات الدينية الوسيطة.
 2.الأحكام الشرعية الخمسة، الواجب والمندوب والمحرّم والمكروه والمباح، تعبّر عن مستويات الفعل الإنساني الطبيعي، وتصف أفعال الإنسان الطبيعية.
 3.الفكر الإنساني العلماني الذي حول بؤرة الوجود من الإله إلى الإنسان وجد متخفٍ في تراثنا القديم عقلاً خالصًا في علوم الحكمة، وتجربة ذوقية في علوم التصوف، وكسلوك عملي في علم أصول الفقه.
 يقول المفكر السوداني الخاتم عدلان الذي يعتبر من أبرز المنادين بالعلمانية في المنطقة العربية "إن العلمانية تعني إدارة شؤون الحياة بعيداً عن أي كهنوت، كما ظهرت اتجاهات جديدة في تعريف العلمانية مثل التي تنص على أن العلمانية هي استعداد الفرد والمجتمع للاستفادة من خلاصة المنتوج البشري في سبيل تحقيق رفاهيته

Live Support

الأحد، 12 أغسطس، 2012

من نيالا لكتم الحزن الثقيل يغيم على المشهد !!

محمد سليمان
 msuliman.press@yahoo.com

لم يدري طلاب نيالا الذين قضوا فى محرقة النظام البربرى انهم سيكونون ضحايا النظام فى ذلك اليوم التى انطلقت فيها المظاهرات المطالبة باسقاط النظام فقد خرجوا يسيرون على اقدامهم من منازلهم وعادوا الى منازلهم على اكتفاف الرجال تتساقط دموع اسرهم والحزن الثقيل يغيم على المشهد وما بين انهار الدم فى نيالا التى سالت وانهار الدم فى كتم ومعسكر كساب وفتا برنو ما يجمع بينهم انهم مدنيون قتلوا بالة النظام الوحشية .
 ان القتل هى سمة النظام ويعمل على ذلك بشراحة ولا يمر يوم الا ويسقط قتلى ونشرات الاخبار تتصدر ذلك وتعود اخبار دارفور من جديد الى قلب الاحداث العالمية ليس بحدوث سلام ولا استقرار لكن باكثر وحشية ودموية فى القتل فى مشهد يوضح مدى عمق الازمة وان شروط حل المشكلة هى نزع السلاح من المليشيات التابعة للحكومة التى عاست فساداً فى الارض ومحاسبة كل المتورطين فى قتل المدنيين العزل وتقديمهم الى المحاكمات لاحقاق الحق والعدل ثم ياتى السلام والاستقرار ودون ذلك النتيجة معروفة هى مزيد من القتل والتشريد وان الاتفاقيات التى تم توقعيها لحل ازمة الاقليم تحوى بنود رنانه لكن العبرة بالتنفيذ .
 فالاحداث المؤسفة التى حدثت بحق الابرياء العزل فى كتم ومعسكرات فتا برنو وكساب توضح ان عقلية النظام هى ذاتها لم تتغيير ولم تتبدل فالقائمون على ادارة شؤون المواطنين كانما يريدون ان يثبتوا للحكام المطلق بانهم اكثر قمعاً ودموية وبالتالى هم الاجدر على تسلم دفة الامور والمضي قدماً نحو المخطط المرسوم لاسقاط المزيد من الضحايا وتشريد من تحصل على بصيص امل من الطمأنينة التى تحاول ان توفرها تلك القوات الاممية التى عجزت عن حماية نفسها مع ان تفويضها يسمح لها بالتدخل للدفاع عن المدنيين العزل فالنازحين المدنيين قتلوا على مرمى من بصر القوات لكنها لم تحرك ساكناً .
 الى متى يستمر هذا العبث بارواح الابرياء الذين فروا من جحيم النظام الدموى هذا الوضع لابد وان يحسم لصالح الضحايا الذين شردهم النظام والياته القمعية التى تطارد المدنيين فالثورة التى انتظمت البلاد كافية باسقاط النظام وتغييرة ، والقتل الوحشى الذى يستخدمه النظام ضد المدنيين العزل الا دليل على افلاسه وفقدانه الشرعية والمشروعية التى تبرر بقائه فدماء الابرياء التى سقطت فى نيالا وكتم ومعسكر كساب وفتا برنو والعديد من مدن وقرى دارفور الذين راح الآف الابرياء ضحايا للنظام بالاضافة الى الضحايا فى جبال النوبة والنيل الازرق والشرق والشمال لن تروح حدراً فاللحظة الحاسمة اقربت .

Live Support

صوت من الهامش

ابو طيره .. تقتل في نيالا وتختبئ في كتم

ابراهيم سليمان/ لندن
 ebraheemsu@gmail.com

فِرق الموت هو الاسم المرادف لقوات "ابوطيره" وسط اهالي دارفور، هذه القوات الشريرة، حريصة كل الحرص على ألا تفوت سانحة للتقتيل والتنكيل بمواطني الهامش، وتهتبل الفرص لتنقص الأنفس المستهدفة من السلطات المركزية، قوات متعطشة للدماء لن تتردد حتى في الارتواء من شرايين الأطفال في نهار شهر الصيام الفضيل.
 كنا نترقب أن ينفخ صور قيامة الانقاذ من دارفور ، وان تنطلق ثورة التحرر من المركز من عموم الغرب ، ذلك لفضاحة الاستهداف و بشاعة الانتهاكات من قبل النظام الحالي ، لم يخيب ظننا كثيرا ، فقد جاء تلاميذ نيالا الأبطال بما لم يجئ به طلاب جامعة الخرطوم وشباب ود نوباوي ، لأولئك مجد المبادرة بتفجير شرارة الثورة الظافرة بإذن الله ، ولهؤلاء شرف استهلال قوائم شهداء الثورة وتصدر قائمة أصغر الشهداء في تاريخ السودان القديم والحديث ، وهم اكرم منا جميع ، تلاميذ نيالا استطاعوا ان يدخلوا الرعب في قلوب قوات النظام الرعديدة ، فما كان من زبانيته "ابوطيره" إلا إطلاق الرصاص الحي على ادمغتهم الطرية في محاولة لإسكات حناجرهم البضة ولكن هيهات ، فالثورة انطلقت ترددها ملايين القلوب.
 الشرطة الولائية كانت تتعامل مع التحركات الطلابية في شوارع نيالا البحير بالطرق التقليدية المتبعة في بقية مدن السودان ، لم تعجب هذه "الحِنيّة" في التعامل قوات "ابوطيره" مصاصة الدماء ، فتدخلت فارضة سطوتها المطلقة على السلطات الأمنية والولائية .. هذه القوات الرعديدة تستأسد على تلاميذ مدارس نيالا، وتتواري عن مواجهة قوات حرس الحدود في كتم الخير والعجوة ، لجبنها وخبث نواياها ، ذلك أن ما تقوم بها هذه الميليشيات ، تتماهي وعقيدتها المتمثلة في السحل والترويع والخراب العام.
 نيران "فرق الموت" الحية والمفتوحة على صدور تلاميذ مدارس نيالا ، ظلت حبيسة في سوق كتم ومخيم كساب ، اختبئ رجالها وراء كراكير حي كنبوت وخيران كركاوية للاستمتاع بمشاهدة الأهالي وهم يواجهون الموت الزؤام ويتدحرجون في دمائهم من نيران مليشيات حرس الحدود وكأنهم يشاهدون فيلما سينمائيا عن الرعب.
 في حوار سابق لنا مع د. التيجاني سيسي اصر على ضرورة أن تكون السطلة الاقليمية الانتقالية بسلطات حقيقية ، هذا الإصرار كان قبل توقيع أتفاقية الدوحة لسلام دارفور ، اما الآن نراه يكتفي بالشجب والإدانة مثله مثل بقية خلق الله!! لا يهش ولا ينش ، فتح مقر سلطته بالفاشر وهو مسكتين طول الوقت في الخرطوم ، يلاحق وزير المالية ، ويتابع تواريخ مصفوفة بنود اتفاقيته المريبة ، ماذا يقوله سيادته والمليشيات الحكومية شبه النظامية لا تزال اكبر محددة لأمن المواطن؟
 استغلال قوات حرس الحدود لحادث اغتيال معتمد الواحة المؤسف ، لتفريغ معسكري النازحين بكساب وفتا برنو امر مفضوح ، يخطط له النظام وبلا شك يباركه السطلة الاقليمية الانتقالية رغم ادانتها الخجولة ، ونتساءل أين السيد قمباري؟ وإين قوات اليوناميد من فصول هذه التراجيديا الإنسانية والتي استمرت لعدة أيام على مرئي ومسمع الجميع، سلطات دولية وولائية؟
 في ظل انشغال المجتمع الدولي بزوابع الربيع ، وسلبية اليوناميد تقع مسئولية حماية النازحين العزل في معسكراتهم النائية على الحركات الثورية ، ومن غير المعقول أن تظل متفرجة من علو جبل سي على مشاهد ترويع وسحل أهاليهم في كتم!! متى يتحرك هؤلاء لنجدة المذعورين من أهاليهم الذين يواجهون الموت بدم بارد لعدة ايام على ايدي مليشيات هم ابناء تسعة مثلهم؟ هل حمل هؤلاء السلاح للدفاع عن انفسهم فقط ولا يعنيهم احد، ام ينتظرون ايدي السفاحين أن تكل من ذبح اهاليهم نهارا جهارا؟ الله يرحمك أيها الشهيد المغوار عبد الله أبكر، الذي استبسل مدافعا عن عرضه وارضه في كتم الخير والطيبة.
 استئساد ابوطيره على "شُفع" مداس نيالا، وتخاذلها عن صد مليشيات حرس الحدود في كتم لهو دليل على أنها والأخيرة سيلان ، قوات مهمتها القتل والتنكيل كيفما اتفق ، ولمواجهة هذه الكتائب في المرحلة المفصلية المقبلة ، في ظل تقاعس قوات الحركات الثورية الحالية عن دورها الطليعي ، نتطلع لمنشقين من القوات المسلحة و"مرافيت" الصالح العام من القوات النظامية لتكوين نواة لجيش التحرير يضطلع بمهامه وفق اجندة قومية .. ونشرئب لضباط عظام ابناء حلال يفتحون الباب، وما فيش بلد احسن من بلد ، ولا يزال يحدونا العشم أن تكون "بنغازي" السوداني من دارفور.
 ebraheemsu@gmail.com
 ابراهيم سليمان
 آفاق جديدة/ لندن
 

Live Support

دكتور جون قرنق

قراءة في مقالات د. سلمان: حق تقرير المصير تأخر نصف قرن وجون قرنق لم يكن وحدوياً
جون قرنق


08-12-2012 02:51 AM
طلحة جبريل

أقول بإطمئنان إن الدراسة التي اعدها الصديق الدكتور سلمان محمد سلمان حول "مسؤولية إنفصال جنوب السودان" غير مسبوقة. قرأتها بتأنٍ أكثر من مرة،مما جعلني مطمئناً لحكم القيمة بانها "غير مسبوقة".

إنتهج الدكتور سلمان في هذه الدراسة، التي نشرها في تسع مقالات داخل وخارج السودان،أسلوباً توثيقياً علمياً متماسكاً. كما أتبع منهجاً أكاديمياً صارماً، وهي نقطة قوة هذه الدراسة، بيد أن هذا المنهج الأكاديمي الذي رصد بنزاهة " الحقائق والوقائع" كان على حساب الجانب التحليلي. إذ السياسة ليست هي فقط "حقائق ووقائع" مجردة، لكنها كذلك مباديء لا يجوز طمرها عندما تأتي "التوافقات"، وتحليل علمي يفضي الى هذه"التوافقات".

هناك ثلاثة عناوين أساسية، مستوحاة من هذه الدراسة سأتوقف عندها، وهي كالتالي:

*موضوع حق تقرير المصير الذي تأخر في الجنوب قرابة نصف قرن.

*مسألة "وحدوية" الدكتور جون قرنق.

*دوافع النظام التي جعلته يقبل "مباديء الديمقراطية" في الجنوب ويرفضها في الشمال.

لكن قبل الخوض في تفاصيل هذه العناوين، حري بنا أن نتوقف عند بعض الأفكار الاساسية التي طرحها الدكتور سلمان. أمهد لذلك بمحاولة لفهم أوضاع بلادنا في ظل النظام الحالي، على أعتبار ان الدراسة ركزت على التطورات التي حدثت خلال الفترة من 1989 وحتى 2005 .

*تعرضت بلادنا الى إختلال شديد في توازنها السياسي والاجتماعي نتيجة سياسات القهر المتصلة التي أتبعها هذا النظام الذي جعل هدفه الاستراتيجي هو "استمراره" وكل ما يخدم هذه الاستراتيجية هي تكتيكات حتى لو أدت الى تقتيل الناس وإشعال الحروب القبلية والإثنية.

* انقسم السودان اجتماعياً إلى شريحة صغيرة مرتبطة بالنظام أو تعمل بداخله، وأغلبية ساحقة فقيرة محدودة الدخل والموارد، وفي بعض الأحيان معدمة بائسة لا تجد قوت يومها، في حين تآكلت الطبقة الوسطى، وما تبقى منها ترك البلاد موجة تلو أخرى الى الخارج، كل ذلك أدى الى تنافر في مجموعات القيم ومستويات الوعي، وفي قواعد السلوك، على مستوى الحياة اليومية.

* تركيز السلطة وصل حداً لم تعرفه البلاد من قبل، الى درجة ان هناك وزراء أو من هم في مرتبتهم ظلوا في اماكنهم بطول فترة النظام نفسه، أي 23 سنة بالتمام والكمال.

*هذا الوضع جعل المشروع الفردي الخاص هو الذي يحكم تصرفات المسؤولين، الى حد إقتصرت اهتمامات اي مسؤول على أوضاعه، لم يعد له غير مطالبه الشخصية. وهو ما أدى الى إستشراء الفساد بصورة تفوق كل خيال.

*تجسدت حالة القهر المستمرة، الى حالة من فقدان الثقة بالنفس واللامبالاة والإحباط استبدت بجماهير واسعة نتيجة إحساسها بأنها ليست معزولة عن المشاركة في صنع القرار، بل هي اصلاً خارج دائرة أي قرار، كما انها غير قادرة على التغيير لغياب قيادات توجهها وتحفزها لإسقاط النظام.

الآن أعود الى افكار الدكتور سلمان، محاولاً مناقشتها واحدة تلو أخرى، إتفاقاًَ أو إختلافاً. معتمداً على توثيقه المتزن والموضوعي للأحداث.

إختار الدكتور سلمان عنواناً لدراسته يقول"مسؤولية إنفصال جنوب السودان"، وهذا العنوان يتسق تماماً مع ما حاولت الدراسة البرهنة عليه، من أن "هناك مسؤولية" تقع على النظام والمعارضة والحركة الشعبية في "فصل الجنوب".

هنا أختلف تماماً مع الدكتور سلمان، إذ ان "الجنوب" كانت له اصلاً "قضية" قبل استقلال السودان، تجسدت في فعل عنيف عام 1955 أي ما يعرف باسم " تمرد توريت". هذه القضية كانت تفترض أن يقر الجميع "بحق تقرير المصير" في عام 1953، وليس في عام 2005 (إتفاقية نيفاشا)، أو يجري التمهيد لهذا الحق إنطلاقاً من مفاوضات فرانكفورت عام 1992 بين على الحاج ممثل النظام أيامئذٍ والمجموعات المنشقة عن الحركة الشعبية.

لذلك أقول إن "حق تقرير المصير تأخر في الجنوب قرابة نصف قرن". أقول ذلك لثلاثة اسباب:

اولاً / كان الشعار الذي تبنته الحركة الوطنية في عام 1953 هو مبدأ"حق تقرير المصير" كمقدمة نحو الاستقلال، كيف إذن أعتبرنا هذا الحق "مقدساً" في الشمال خلال تلك الفترة، وننكره على الجنوبيين، بل نستكثر عليهم حتى الحكم الفيدرالي، كما لاحظت الدراسة.

ثانياً/ جميع الثورات والإنتفاضات التي حدثت في السودان بما في ذلك الإنتفاضة الأخيرة ظل هدفها الأساسي هو "عودة الديمقراطية"، والديمقراطية ترتكز على مبدأين، هما "دولة المؤسسات التي تضمن تداول الحكم" و "إحترام حقوق الإنسان بمعناها الواسع ويشمل ذلك حقه في تقرير مصيره". كيف إذن نطالب للديمقراطية لإنفسنا، ثم عندما نأتي الى " الجنوب" نقوم "بشيطنة" هذا الحق.

ثالثاً/ هناك اختلافات بلا حصر بين الشمال والجنوب، إثنية وثقافية ولغوية ودينية وإجتماعية، وثمة نظرة دونية من الشمال نحو الجنوب، وظلامات وقعت، وغير ذلك كثير، كلها كانت تحتم على المطالبين "بالديمقراطية" في الشمال، ألا يضعوا سقفاً لهذه "الديمقراطية" عندما يأتي الأمر الى " الجنوب"، هذا هو "المنطق الديمقراطي"، إذ لا يعقل أن تكون" ديمقراطياً" في الشمال، وتصبح "ديكتاتورياً" في الجنوب ، وهي سياسة أتبعها الجميع سواء في عهود الديمقراطية، او في ظل الأنظمة الشمولية.

يلاحظ الدكتور سلمان أن "مانيفستو "الحركة الشعبية لتحرير السودان" الذي صدر في يوليو 1983 ركز على وحدة السودان، وتناولت الفقرة الثالثة من المانيفستو مبدأ "السودان الجديد" القائم على المواطنة التي تساوي في الحقوق والواجبات بصرف النظر عن العرق أو الدين أو اللغة او الثقافة".

ويقول الدكتور سلمان إن "الحركة الشعبية منذ قيامها في مايو 1983 أنشأت تحالفاً وطيداً مع نظام منغستو هايلي مريم " ويزيد قائلاً" "يعتقد الكثيرون إن شعار السودان الجديد الموحد فرضته وأملته العلاقة مع نظام منغستو".

ثم يأتي الدكتور سلمان الى نقطة جوهرية مشيراً الى انه بعد اربعة اشهر من سقوط نظام منغستو في اثيوبيا (مايو1991) " في السادس من سبتمبر، عقدت الحركة الشعبية اجتماعاً لمكتبها السياسي في توريت التي كانت تحت سيطرتها ، وأصدرت عدة قرارات أهمها القرار رقم 3 الذي نصت الفقرة الثانية منه على موقف الحركة الجديد المتمثل في المطالبة بحث تقرير المصير في اية مبادرة للسلام في المستقبل".

ويرى الدكتور سلمان أن الحركة الشعبية ما كان يمكنها رفع شعار"حق تقرير المصير" في ظل تحالفها مع نظام منغستو، الذي كان يحارب الارتريين المطالبين بالحق نفسه.

كل هذا عين العقل.

لذلك سأقول وبإطمئنان شديد، ان الدكتور جون قرنق كان "وحدوياً" في حالة واحدة فقط، وهي ان يقوده هذا الشعار الى الوصول الى رئاسة كل السودان، وذلك حقه وطموح مشروع في دول واحدة، لكنه كان مقتنعاً تماماً في قرارة نفسه انه يخوض "حرب إنفصال" بشعارات جديدة أكثر جاذبية من شعارات "الانانيا"، وكانت قطعاً في بعض جوانبها شعارات ملتبسة.

لاشك أن الرجل كانت له كاريزما كاسحة، وهو ذكي، ولأنه ذكي فإنه في كثير من الأحيان يستطيع أن يطرح أفكاراً يمكن أن تكون لها قيمة تاريخية. كان البعض يرى في أسلوبه دهاء وآخرون يعتبرونه مدرسة متقدمة في علم التفاوض والحقيقة انه الاثنان معاً. ظل يعتمد على تراكم أخطاء الخصوم، لإقتناص الفرص الصعبة.

كان هذا هو الإنطباع الذي خرجت منه بعد لقاء واحد يتيم، ولعل من المفارقات ان معظم وقت اللقاء الذي جرى مع الدكتور جون قرنق في عام 1991 بعد فترة وجيزة من إنضمام "الحركة الشعبية" الى "التجمع الوطني الديمقراطي" كان حول "القيمة المضافة" التي يمكن ان يكسبها "التجمع" من تلك الخطوة، وكان رأيي أنها مبادرة سياسية ستكون لها آثار سلبية على عمل "التجمع" وهدفه وقته هو "عودة الديمقراطية" لأن الأحزاب الشمالية ستظن ان "الحركة الشعبية" ستقاتل نظام الخرطوم، وعندما يسقط ستعود هي الى الحكم، بل أكثر من ذلك قلت، وهذا رأي موثق، إن المفاوضات بين النظام والحركة الشعبية عندما تأتي لن يجد فيها " التجمع" مقعداً، وهذا ما حدث.

تأكيداً لرأيي بشأن "وحدوية" جون قرنق، اعود الى واقعة لها دلالة لا تخفى أوردها الدكتور سلمان قائلاً "عقد التجمع الوطني الديمقراطي اجتماعاً موسعاً لقيادته في نيروبي في ابريل 1993(...) تحدث الدكتور جون قرنق في بداية الاجتماع بإسهاب مؤكداً التزام الحركة الشعبية بوحدة السودان، والتي يجب أن تبنى على الديمقراطية والتعددية الدينية والعرقية والثقافية والعدالة الإجتماعية و احترام حقوق الإنسان، والتي كما ذكر تمثل مقومات السودان الجديد" وفي السياق نفسه نقرأ "الملاحظة الأساسية في خطاب دكتور قرنق هي تركيزه على وحدة السودان، وعدم تطرقه إطلاقاً لمسألة تقرير المصير أو مقررات مؤتمر توريت التي تضمنت هذا المبدأ (...) ومن المحتمل أن قادة الأحزاب الشمالية لم يكونوا على علم بها، أو أنهم كانوا على علم بها ولكن قرروا عدم إثارتها".

كان الدكتور جون قرنق يدرك متى يخرج "حق تقرير المصير" من جرابه، ومتى يتعمد إخفائه. في حواره مع النظام ظل يطرح الموضوع دون مواربة، وفي لقاءاته الدولية بقى متمسكاً به، أما مع السياسيين في الشمال، فإن المبدأ يتم تعويمه داخل شعارات فضفاضة.

على سبيل المثال عندما طرحت المبادرة المصرية الليبية، وهنا أتفق تماماً مع الدكتور سلمان في أنها كانت تجسيداً للسذاجة السياسية لنظامي حسني مبارك ومعمر القذافي، قبلت بها الحركة الشعبية على الرغم من أن المبادرة شددت على "تأكيد وحدة السودان" لكن سنلاحظ ان الحركة الشعبية رحبت بالمبادرة ، وهو أمر مفهوم لأنها كانت تريد استمرار تدفق اموال وأسلحة القذافي، وحياد المصريين في موضوع الإنفصال عندما يأتي، ثم القبول به حين يصبح واقعاً. لذلك حتى تفرغ الحركة الشعبية المبادرة من مضمونها طالبت بإضافة "حق تقرير المصير وفصل الدين عن الدولة". هكذا ولدت تلك المبادرة في حالة إحتضار، واستطاع جون قرنق بذكاء سياسي أن ينزع عنها أجهزة الإنعاش.

ثم أن مصر التي وقعت كشاهد على إتفاقية نيفاشا في يناير 2005، وكما اورد الدكتور سلمان، ظل وزير خارجيتها آنذاك احمد الغيط ، يردد وبمنتهى البلادة السياسية إن مصر مع "حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان شريطة ان يؤدي الإستفتاء الى الوحدة".

أتفق تماماً مع الدكتور سلمان في أن شمالي الحركة لم يتوقفوا عند تبنى المكتب السياسي الحركة الشعبية في توريت في سبتمبر عام 1991 لمبدأ "تقرير المصير" بعد سقوط نظام منغستو وإنقسام "فصيل الناصر" ، بل تجاهلوا ذلك "وفضلوا التشبث بالفقرات الرنانة من المانيفستو التي تتحدث عن السودان الجديد" على حد تعبيره.

في ظني أن شمالي الحركة الشعبية كانوا خمس فئات:

الفئة الأولى التي جذبتها شعارات "السودان الجديد" وأعتقدت أن البندقية لم تعد جنوبية فقط بل جنوبية وشمالية، وأن الصراع ليس صراعاً أثنياً وثقافياً ودينياً، بل هو صراع بين مركز مهيمن دون وجه حق وهامش مهمل بدون مبرر، وهذه الفئة وجدت أيضاً تطابقاً بين مزاجها اليساري، وشعارات الحركة الشعبية.

الفئة الثانية التي كانت ترى انها تعاني في الشمال، ظلامات مماثلة ومن نظرة دونية مثل ما عاني الجنوبيون، وهنا أتذكر وقائع لقاء مع عبدالعزيز الحلو في واشنطن قال لي فيه ضمن حديث متشعب "إذا ارادت السلطات المحلية في امدرمان هدم أحد الأحياء الهامشية على أعتبار انه لم يتم تخطيطه يكون ذلك بسرعة دون إعتبار لمصير سكان الحي، ولكن إذا قلت لهم إذا كان عدم التخطيط يبرر هدم الأحياء لماذا لا يهدم حي ودنباوي وهو بدون تخطيط، مثلاً لن تجد عندهم جواباً، والسبب أن الأحياء الجديدة يسكنها المهمشون في حين يسكن الاحياء العريقة ناس المركز" هكذا يعتقد الحلو.

الفئة الثالثة، وهؤلاء اغلبهم من الشباب وليس قيادات الصف الأول، دفعهم العداء لنظام الإنقاذ الى الإنتقال الى الجهة التي تحمل السلاح ضد هذا النظام.

الفئة الرابعة وهي شريحة صغيرة، كانت في الأصل محسوبة على الشيوعيين أو اعضاء في الحزب الشيوعي، لكنهم وجدوا أن الحزب لم يقو على إستعادة وهجه وزخمه الجماهيري بعد الضربة التي تلقاها في يوليو 1971 ، ولم تظهر بين صفوفه شخصية لها كاريزما وجاذبية عبدالخالق محجوب، ولم تتجدد قياداته، كما لم يساير الحزب التطورات المتلاحقة.

الفئة الخامسة، اولئك الباحثون دائماً عن دور وموقع، ونموذجهم الدكتور منصور خالد، الذي إنتقل من تحت معطف عبدالله خليل الى "التنظير" لنظام مايو ثم الى مستشار عند جون قرنق لينتهي مستشاراً لدى عمر البشير.

أعود الى الدكتور سلمان، لأقتبس منه فقرة جاءت على لسان أحد شماليي الحركة، وهو الدكتور الواثق كمير حول وحدوية جون قرنق حيث يقول " في الواقع ان جون قرنق من واقع معرفتي اللصيقة به، كان يسعي للوحدة وكأنه يعيش ابداً، بينما يعمل للإنفصال وكأنه يموت غداً".

في ظني أن هذه حذلقة. ولا أزيد.

الآن نتعرض الى الاسباب التي جعلت النظام في الخرطوم يقبل " بمباديء ديمقراطية" في الجنوب، ومن ذلك حق تقرير المصير، ويرفضها كلياً في الشمال.

إن هدف النظام الوحيد والأوحد هو البقاء في السلطة. هؤلاء الناس جربوا السلطة وبهرتهم وشدتهم كالمغنطيس، ولأن ليس لديهم مشروع حقيقي بل مجرد شعارات لا تتسق حتى مع الدين الذي يزعمون أنه مرجعيتهم، فإن "جنة السلطة" أصبحت هي الغاية، لذلك تعاملوا مع قضية الجنوب من هذا المنظور.

وإذا عدنا الى دراسة الدكتور سلمان سنجد ان الذي حفزه الى إنجازها، هو موقف أحد مفاوضي النظام الذي تباهى بانه الغى مبادرة الإيقاد في سبتمبر 1994 لأنها تتحدث عن "حق تقرير المصير". في حين، وكما وثقت الدراسة بطريقة واضحة، كان النظام من خلال ممثله الدكتور على الحاج قد قبل مبدأ "تقرير المصير" بعد مفاوضات فرانكفورت في يناير 1992 مع "فصيل الناصر" بقيادة رياك مشار والدكتور لام كول، حيث جاء في الاتفاقية "بعد نهاية الفترة الإنتقالية يجري إستفتاء عام في جنوب السودان لإستطلاع آراء المواطنين الجنوبيين حول نظام الحكم الذي يناسب تطلعاتهم السياسية دون استبعاد أي خيار".

المؤكد أنه خلال الفترة ما بين إنقلاب يونيو 1989، وحتى سقوط نظام منغستو في مايو 1991، حققت الحركة الشعبية نجاحات عسكرية على الرغم من حملات "الجهاد" و"الدبابين"، لكن بعد سقوط منغستو، وإنقسام " فصيل الناصر" في أغسطس 1991 ، اعتقد النظام أن توظيف الإنقسام لإضعاف الحركة الشعبية الأم حتى لو كان الثمن الإقرار بحق"تقرير المصير" سيخفف عليه أعباء وضغوطات الحرب في الجنوب، بعد ان تبين له أن الحسم العسكري غير ممكن إطلاقاً.

وعلى الرغم من فذلكة الدكتورغازي صلاح الدين في نيروبي في سبتمبر عام 1994، حول تقرير المصير ساير النظام هذا المبدأ، وتتضح هذه الفذلكة من خلال الجملة التي اقتبسها الدكتور سلمان من كلامه، يقول غازي" بالنسبة لحق تقرير المصير فإن مصير السودان كان قد تحدد في عام 1956 عندما نال السودان استقلاله". جملة تعبر عن نفسها.

ولسوء حظ دكتور غازي فإن النظام الذي ينتمي اليه، سيعود الى "حق تقرير المصير" في إتفاقيات "الميثاق السياسي" عام 1996، وإتفاقية "الخرطوم للسلام" في عام 1996 وإتفاقية "فاشودة" عام 1997، وأنعكس كل ذلك في دستور عام 1998 الذي تضمن "حق تقرير المصير" كما اورد الدكتور سلمان.

في كل هذه الاتفاقيات كان هدف النظام "ربح الوقت" وفي ظنهم أن موضوع "حق تقرير المصير" هو مجرد كلام يقال طالما إنه لن يؤثر على قبضتهم في الخرطوم.

ولسوء حظ الدكتور غازي صلاح الدين ايضاً، انه هو شخصياً سيكون رئيس الوفد المفاوض في مشاكوس من يونيو عام 2002 وحتى نوفمبر 2003 وتلك المفاوضات كما يقول الدكتور سلمان اتخذت "أهم وأخطر قرار في تاريخ السودان" أي حق تقرير المصير عن طريق إستفتاء يختار فيها الجنوبيون بين الوحدة والإنفصال. ونعرف أن اتفاقية نيفاشا اعتمدت في الاصل على ترتيبات وبروتكول مشاكوس. أي أن غازي صلاح الدين الذي ترك مكانه الى على عثمان محمد طه، سلمه اتفاقاً أهم بنوده "حق تقرير المصير" ، وهو الأمر الذي سيتم في يناير 2011، ولم يكن امام غازي صلاح الدين إلا أن يلعق جملته العجيبة " بالنسبة لحق تقرير المصير فإن مصير السودان كان قد تحدد في عام 1956 عندما نال السودان استقلاله".

وإذا تأملنا سير المفاوضات من اتفاق فرانكفورت وحتى نيفاشا، وربطنا ذلك بأمرين، هما المواجهات العسكرية في الجنوب، وصراعات السلطة والمواقع في الشمال، التي "جعلت الثورة تأكل آباءها" كما حدث للدكتور حسن الترابي وجماعته عام 1999،

سندرك يقيناً أن "إستراتيجية البقاء في السلطة" (أطلقوا عليها للتضليل سياسة التمكين) هي التي أدت الى أن يكون النظام "ديمقراطياً علمانياً" في الجنوب، في حين يلوح "بالتطبيق الكامل للشريعة" في الشمال. والمثير أن الحركة الشعبية قايضت الشريعة في الشمال مع "حق تقرير المصير في الجنوب" كما لاحظ ذلك دكتور سلمان.

هل سمعتم في التاريخ الإسلامي برمته بحكام يهددون شعبهم بالشريعة السمحاء، وبالدين الذي جاء يعلم الناس مكارم الاخلاق.

أختم لأقول إن الدكتور سلمان اصاب كبد الحقيقة عندما قال إن المثقفين والسياسيين السودانيين ظلوا يعتبرون ما يحدث في جنوب السودان "تمرد على القانون والنظام"، ولعل هذا الإعتقاد هو الذي أطال عمر هذه المشكلة، لأن النخب السودانية لو كانت عالجت الأمر وفق المبدأ الديمقراطي أي "حق تقرير المصير" لما كانت سفكت كل هذه الدماء سواء كانت دماء جنوبية أوشمالية، وتعرض الجنوب لكل ذلك الخراب، ودفع الشمال فاتورة باهظة لحروب متتالية. والحروب كما نعرفه، لم تقدم حلاً لأية مشكلة في التاريخ.

لكنني اختلف كلياً مع الدكتور سلمان حول قوله إن "تراكم الأخطاء والتجاوزات التي ارتكبتها الحكومات السودانية المتعاقبة في الجنوب منذ عام 1954 أدت في نهاية الأمر الى مطالبة الجنوبيين بحق تقرير المصير".

إذ الشعوب لا تذهب الى خيار " تقرير المصير" بسبب اخطاء الأنظمة والحكومات، لكن لأنه حق أساسي من الحقوق الديمقراطية وحقوق الإنسان يفترض ان تمارسه بكل حرية.

حق يرتبط بآدمية الإنسان وكرامته.

لذلك لا يمكن أن يفتر أو يتراخى النضال من أجل " الحقوق الديمقراطية" في بلادنا،على الرغم من كل البطش والقهر الذي يتعرض له الناس في الوطن الذي نحب.

talha@talhamusa.com

Live Support

الأربعاء، 8 أغسطس، 2012

نقد كتاب للدكتور حسن مكي



نقد كتاب

"الحركة الإسلاميَّة في السُّودان (1969-1985م)"

للدكتور حسن مكي

الفرق بين الزائف والواقع

بقلم: الدكتور عمر مصطفى شركيان

shurkian@yahoo.co.uk



وكنا انتظرناهم مواضع بيننا

ثلاث ليالٍ ثم أخرى تربع

ولمَّا رأينا جُبُنهم عن جموعنا

رحلنا إليهم واللِّواء مرفوع



أبيات من شعر الوزير عبد الله شقيق الشيخ عثمان بن فوديو(1)



مقدِّمة

هل يمكن اعتبار الدكتور حسن مكي محمد أحمد واحداً من كبار المؤرِّخين في تأريخ السُّودان السياسي في العصر الحديث؟  هذا السؤال وغيره ظل مطروحاً في أذهاننا بإلحاح وفي شكل دائم وحاد، وهو ما يُزال يُطرح من جديد في كل مرَّة نقرأ فيها عملاً تأريخيَّاً، أو ورقة علميَّة، أو ملخَّصاً لندوة أكاديميَّة، أو تقديماً لكتاب أو بحث أشرف عليه هذا الدكتور الذي ذاع صيته وعمَّ البادية والحاضرة؛ وهو – فوق ذلك كله – أمسى يُشار إليه ب"الخبير الاستراتيجي في شؤون القرن الأفريقي."  والأهم من هذا – كما أسلفنا قولاً - إنَّ هذه الأسئلة طُرحت أكثر وأكثر وبمزيد من الحدة والاستغراب، والرَّغبة الماسة في الحصول على إجابات قاطعة لم تُوجد أبداً حتى في أزماننا هذه على الأقل.  مهما يكن من الأمر، فإنَّ من المنطقي ألا ننظر إلى كتابات حسن مكي – أكاديميَّة بحثيَّة كانت أم صحافيَّة – على أنَّها حقائق مطلقة، أو أنَّها تصح حقَّاً لتكون مرجعاً إلى ما حدث حقيقة في التأريخ الذي يشير إليه بحثه.  ففي أحسن الأحوال يمكن اعتبار هذه الكتابات تعبيراً شخصيَّاً عن مواقف صاحبها مما حدث، حيث من ثنايا كلامه – وتحريفه للحقائق التأريخيَّة، وحجبها في أحوال عدة – يمكن دائماً استخلاص مؤشِّرات الحقائق التي يحاول إخفاءها؛ والمواقف التي تساعد على فهم ما للتأريخ على النحو السليم، وذلك بالمزيد من البحث والدراسة والتدقيق والتحليل.  فمن هذا المنطلق نرى أنَّ كتابتنا لهذه السطور مهمَّة، لأنَّ بدونها يصبح التأريخ مطية لتحليل وتعليل مصلحي عليل، أو نظري لن يضع اليد على الجرح، أو إن وضعها فالكلام فيه يفسد الواقع واحتمالاته، ويبدِّد الصبر على الألم؛ لذلك يتهيَّب أكثرهم من الحق وممن يقولون الحق.   وقد كتبنا هذه السطور - لذلك كذلك – حتى لا تتمتَّع هذه النخب الفاعلة في المجتمع السُّوداني بفقدان القراءة النقديَّة وعدم المساءلة الديمقراطيَّة، وما حسن مكي إلا واحداً منهم.  وهو كان قد تحصَّل على إجازة الدكتوراه من جامعة الخرطوم، وكان موضوع رسالته "السياسات الثقافيَّة في الصومال الكبير: (1886-1986م)"، حيث كان قد عزم في بادئ الأمر أن تكون رسالته عن الإسلام في إثيوبيا، ولكنه حين سافر للعمل الميداني في إثيوبيا إبَّان نظام الرئيس الإثيوبي العقيد منغيستو هايلي ماريام توجَّس وخاف وهرب إلى الصومال.(2) 

ففي البدء ماذا تعني كلمة التأريخ؟  تعني لفظة التأريخ، التي دخلت القاموس الإنكليزي العام 1390م، ذات الشيء في اللغة الفرنسيَّة القديمة واللاتينيَّة.  والكلمة نفسها مأخوذة من اليونانيَّة (الإغريقيَّة) القديمة، وتعني التعلُّم أو المعرفة بواسطة الاستبيان، القصة، أو التدوين؛ ويرجع أصل الكلمة إلى "هيستور" – أي الرجل الحكيم، الشَّاهد أو القاضي.  والتأريخ هو دراسة وتحليل الأحداث الماضية، أو مجال صغير من "الحقائق" التأريخيَّة التي يمكن في الواقع تأكيدها، ويعي معظم الدارسين الذين يدرسون الأحداث التأريخيَّة – أي المؤرخون – أنَّ أبعاد الحاضر تفسِّر الأحداث الماضية وتؤثِّر فيها، ولذلك فإنَّ تفسير الأحداث الماضية يتكرَّر ويتغيَّر كماً ونوعاً مع مرور الوقت.  إذ أنَّ التفسيرات والتحليلات لمبنية على مصادر ومستندات أُنتجت خلال أو بعد الأحداث التأريخيَّة المعنيَّة بفترة قصيرة أو طويلة نسبيَّاً، وهي تعتبر عادة الأكثر قيمة وأهميَّة.  وقد ذهب المتكلِّمون وتهافت الفلاسفة على اعتبار التأريخ يسير في شكل دائري، ولذلك يعيد نفسه، وزعم آخرون بأنَّه يسير في خط مستقيم، وادَّعت طائفة أخرى بأنَّه يسير في خط مستقيم مع بروز نتوءات تعبِّر عن مواقف فاصلة وأحدث جسَّام في هذا السير.  ثمَّ شذّ آخرون وقالوا: لم يعد التأريخ يسير في خط دائري ليعيد نفسه؛ لأنَّ التأريخ أصبح يفهم على أنَّه أحداث متباينة وقعت في تواريخ متعددة وفي أماكن مختلفة أو في نفس الموقع، بحيث لا يمكن التنبؤ بمسارها، لأنَّها متغيِّرة ومتناثرة بلا نهايات محتومة.  على هذا الأساس ما عاد ممكناً القول بالمقايسة التأريخيَّة على تأريخ الحضارات واستنتاج قوانين حتميَّة لها.  ففي ساحة التأليف التأريخي ذكر عالم الاجتماع العربي عبد الرحمن بن خلدون أنَّ المؤرِّخ ينبغي عليه الابتعاد عن العصبيَّة – أيَّة عصبيَّة، عرقيَّة كانت أم دينيَّة، طائفيَّة، عشائريَّة أو غيرها.  فإنَّ في "قراءة تأريخ إفريقيا كثيراً ما يبين لنا حجم التناقض والتصارع الذي نعيشه في إفريقيا، ومستقبل الحياة الثقافيَّة والاجتماعيَّة في القارة بصفة عامة، وعندنا في السُّودان بصفة خاصة، حيث لا يمكن إنكار أثر التأريخ والمكان على حجم الصراع السياسي والعسكري في جنوب السُّودان (...) لأنَّ قراءة واقعنا في السُّودان بمنهج المقارنة مع ما يماثل في إفريقيا من أوضاع يساعد كثيراً في قراءة مدخل السَّلام والاستقرار (...)."(3) فلا جدال في أنَّ الفهم السليم لتأريخ السُّودان سوف يساعد على تعزيز التعاضد الاجتماعي، وهنا تأتي قيمة المعطى الثقافي في صراع الهُويَّة الثقافيَّة في السُّودان، حيث لا شيء يمسح الفرد من الوجود مثل محاولة إزالة هُويَّته، أو طحن ذاكرته بأقدام لا تملك سوى الغزو الفكري طريقة في المشي.



الحركة الإسلاميَّة: النشأة الأولى

تقوم الدولة الحديثة (الدولة-الأمة) على أسطورة تأسيسيَّة، وهي الفكرة الأزليَّة لنشوء الأمم كما جادل في هذا الإطار أنطوان سعادة.  وهذه الأسطورة التأسيسيَّة في عمليَّة بناء الأمم (Nation-building process)، تتراءى في الأمة بعبارة "نحن" الجماعة المتخيِّلة، تتكوَّن من أدوات لسياسة قوميَّة مهمتها إيجاد الوعي وترسيخه عبر رواية تأريخ "الأمة" أو رواية الأصول، حيث الأمة موجودة دوماً.  وتعكس هذه الأسطورة طبيعة الدولة الحديثة، التي بدورها تكون تجسيداً لدولة المواطنين المتساوين في الأمة، وتحقيقاً لهُويَّة الدولة نفسها، وتمكيناً لسلطتها لكيما تجد شرعيتها.  بناءاً على هذا نجد أنَّ للفرنسيين أسطورة تأسيسيَّة تعود إلى الثورة الفرنسيَّة، والبريطانيون إلى العهد العظيم (Magna carta)، وفي كليهما تجسيد للمواطنة وحقوق الإنسان وتقليم أظافر استبداد النظام الملكي.  وللأمريكان أسطورتهم في حروب الاستقلال ضد البريطانيين، كما أنَّ لليابانيين والصينيين وغيرهم من الشعوب الأخرى أساطيرهم التأسيسيَّة.  ويملك المصريون أسطورتهم والتي تعود إلى ثورة سعد زغلول العام 1919م.  والأسطورة التأسيسيَّة للعراقيين (سابقاً) والسوريين راهناً هي "الدولة العربيَّة الواحدة ذات الرسالة الخالدة"، وهذا النوع من الأساطير التأسيسيَّة لا يقل شذوذاً عن الأنماط الأخرى، وهو الآخر يقوم على تناقضاته، لأنَّها تعالت على الخصوصيات وقامت على سياسة النفوذ، والقراءة الاختزاليَّة لتأريخ المنطقة بجعل الوجود العربي وحده منطلقاً له، وغض الطرف عن الأكراد والأشوريين والتركمانيين والدروز وغيرهم.  بالقياس إلى هذا، هل يمكن أن نقول إنَّ للسُّودان أسطورة تأسيسيَّة؟  لا غرابة ولا استغراب أن تأتي الإجابة بلا.  فالسُّودان ليس بأمة، بل قوميات متعدِّدة تجعل كل منها أمة بحالها، وله تأريخ سيء فيه استعبد بعضهم بعضاً، وجثم على صدره استعمار ثنائي في مرحلتين: استعمار تركي-مصري في أول الأمر وبريطاني-مصري في نهاية الأمر؛ وهُويَّة متنازعة عليها حتى اليوم (عربيَّة، أفريقيَّة أم خليط بين هذه وتلك وبأيَّة نسب)، وعقيدتين (الإسلام والمسيحيَّة) شكلتا محوراً نزاعيَّاً سياسيَّاً في أكثر سنوات الاستقلال.  أمام هذه التناقضات السُّودانيَّة حاولت الأحزاب السياسيَّة تعريف السُّودان في الإطار التأريخي والجغرافي وتفصيل هُويَّة سياسيَّة له، وإن لم يتفق عليها السُّودانيُّون كلهم أجمعون أكتعون، وكانت الحركة الإسلاميَّة واحدة من هذه الأحزاب.  تحت هذه هي الظروف الاجتماعيَّة والسياسيَّة والدينيَّة والتأريخيَّة المتباينة وُلدت هذه الجماعة الإسلاميَّة، وذلك بعد تنصير فتاة مسلمة في أم درمان بواسطة إحدى جمعيات التبشير الكنسي في العاصمة.(4)  إذن، لِمَ ابتنت الحركة الإسلاميَّة الإسلام شعاراً سياسيَّاً؟  نجيب ونقول إنَّ الحركة الإسلاميَّة قد اتخذت الإسلام مذهباً سياسيَّاً في السُّودان لعدة أسباب نذكر منها ما يأتي:

(1)    إنَّ هناك قطاع عريض من الشَّعب السُّوداني يدينون بالإسلام، وهذا في حد ذاته يحقِّق ميكانيكيَّة انتخابيَّة عند استخدام الدين في الحركة الجماهيريَّة والحملة الانتخابيَّة وغيرهما من ضروب الحياة العامة، مما يسهِّل استثارة العواطف والغرائز الشَّعبيَّة بالشعارات الدينيَّة والوطنيَّة والقوميَّة التبسيطيَّة، وتعطيل أيَّة إمكانيَّة للتأسيس الديمقراطي العقلاني.

(2)    للإسلام خاصة – وأيَّة ديانة سماويَّة عامة – سقف يحدده فقهاء الدين بالقياس أو الاجتهاد أو الإفتاء الشرعي، فلا يجوز المجادلة في ثمة أشياء قاس إليها أو اجتهد فيها أو أفتي بها الفقهاء في الأرض، وإلا وُصِم ذلك الشخص بالكفر والزندقة والردة وغيرها من ألفاظ التكفير والهجرة المعروفة، كما حدث في حال الأستاذ محمود محمد طه.

(3)    الإسلام السياسي مصدر دخل الحركة الإسلاميَّة في أيَّامها الأولى عندما بدأ المال ينساب عليها من المملكة العربيَّة السَّعوديَّة ودول الخليج العربي، وبخاصة حين ادَّعت – وما زالت تدَّعي - الحركة أنَّها راعية الإسلام في السُّودان على وجه الخصوص وأفريقيا على وجه العموم.  أي أنَّها لم تكتف بالمحافظة على حدود العروبة المزعومة في السُّودان فحسب، بل لتجدنَّها محاولة "الفتوحات الإسلاميَّة" بالوكالة في قلب القارة الأفريقيَّة.

وعليه، يقول حسن مكي: "لم يكن مشروع تبني التغيير الإسلامي هذا محدود القسمات، مما أدى للخلاف عليه العام 1954م حينما خرجت على الحركة مجموعة بابكر كرار؛ وفي العام 1955م تكتَّلت قيادة الحركة في الإشراف على حركة تجمع شعبي ضاغط حول شعار الدستور الإسلامي، ويومها لم يؤصِّل هذا التكتل لمدلولات هذا الشعار."(5)  ثمَّ يتساءل حسن مكي "ماذا كان في ذهن شباب الإخوان حينما رفعوا شعار الدستور الإسلامي؟  هل كان في ذهنهم ثلاثيَّة منتقاة من التجربة الإنكليزيَّة والفرنسيَّة وتجربة الخلافة الإسلاميَّة؟  أم كان في ذهنهم دولة الرسول صلى الله عليه وسلَّم في المدينة؟  أم تجارب حكم الخلافة وتأريخ الإسلام في السُّودان؟  لا يبدو أنَّ الصورة كانت واضحة حتى في ذهن القيادة؛ إذ سرعان ما انفرط عقد القيادة، فاعتزل عمر بخيت العوض العمل السياسي مكتفياً بعمله قاضياً يقضي وفق القوانين التي أعلن الحرب عليها، والتحق محمد خير عبد القادر بوظيفة في وزارة التجارة، وتابع المرحوم الرشيد الطاهر بكر درب المغامرة السياسيَّة في مجموعة ضباط ذوي توجهات علمانيَّة قوميَّة، بينما جذب مد النَّاصريَّة ولهيبها بابكر كرار ومجموعته.  بينما انكب (حسن عبد الله) الترابي على تحصيل علوم القانون والدستور العلماني بين لندن وباريس، وأصبح يسن عمر الإمام منازعاً بين التفرغ للتنظيم والتدريس، وعكف صادق (عبد الله عبد الماجد) على جريدة الإخوان المسلمين التي والت خطابها ما بين السياسة والرِّياضة."(6)

وحسن مكي يكتب باللُّغتين العربيَّة والإنكليزيَّة.  ومن قبل كان قد صُدر له كتاب باللُّغة الإنكليزيَّة العام 1999م بعنوان "السُّودان: التصميم المسيحي"؛ وفي هذا السفر حاول المؤلف أن يكبح جنوحه للشطط، وأبدى توازناً إلى نوعٍ ما، ربما لأنَّ هذا الكتاب سيقرأه أهل الفرنجة والقلة القليلة التي تجيد هذه اللغة كتابة وقراءة، والبُحَّاث والأكاديميُّون لا أهل السياسة السفسطائيين.(7)  وقد جاء في التعريف بالكتاب (Blurb) – وهو وصف النَّاشر لمحتويات الكتاب مطبوعاً على غلاف جلده الورقي – أنَّ الكتاب يعرض وجهة نظر سودانيَّة للتأريخ، ودور وأبعاد نشاطات التبشير المسيحي في السُّودان ونتائجها في الفترة ما بين 1843-1986م.  والدراسة – والحديث ما زال للنَّاشر – تسلِّط الأضواء على مسبِّبات الأزمة الثقافيَّة التي قادت إلى الحرب الأهليَّة في السُّودان ودامت زهاء ال35 عاماً – حتى تأريخ نشر الكتاب بالتَّقريب، ثمَّ دور النخبة الجنوبيَّة في البحث عن الهُويَّة في السُّودان المستقل.  وجاءت محاولة حسن مكي في استكشاف العلاقة بين التَّبشير (المسيحي) وجدليَّة العلمانيَّة المتطرِّفة من جهة، وظاهرة اللجوء إلى السلاح واتخاذ حروب العصابات ضد "حق" الثقافة الإسلاميَّة لتنتشر في الجنوب وتسود في الشمال من جهة أخرى.  وخلصت الدراسة إلى أنَّه ينبغي أن تُمنح فرصة للإسلام ليساعد على إنصاف المأساة الإنسانيَّة الحاليَّة في جنوب السُّودان.  كان على النَّاشر أن يكون دقيقاً، فالكتاب يعبِّر عن وجهة نظر حزبيَّة للحركة الإسلاميَّة في السُّودان، أو بتعبير أدق عن رؤية حسن مكي الشخصيَّة، لذلك لا يمكن وصفه برؤية تأريخيَّة مستقلة للسُّودان.  كما أنَّه لم تكن النخبة الجنوبيَّة تعاني في يوم ما من أزمة هُويَّة، فقد حدَّدوا هُويَّتهم – أو سبق أن تحدَّدت هُويَّتهم – قبل دخول العرب إلى السُّودان، وليس بعد استقلال السُّودان؛ وإنَّ الذين كانوا – وما زالوا – يعانون من أزمة هُويَّة هم أهل الشمال السُّوداني، وبخاصة أهل الحكم منهم والذين أسرفوا على أنفسهم، والعامي الغمر.(8)  ولا ريب في أنَّ الإسلام السياسي قد فشل في إيجاد حلول ناجعة لمشكل الحرب الأهليَّة في السودان، بل أمسى ينجب حروباً جديدة من رحم سياسات أهل الحكم في الخرطوم، دارفور مثالاً.  فلا يظنن أحد منكم أنَّ اتفاقيَّة السَّلام الشامل هو حل إسلامي لمشكل الحرب الأهليَّة الثانية في السُّودان (1983-2005م)، فلولا دخول منظَّمة "الإيقاد" والمجتمع الدولي وعلى رأسه الولايات المتحدة الأمريكيَّة كأطراف لاستخدام "سياسة العصا والجزرة" (Stick-and-carrot policy)، لِمَا جاء هذا السلام.  هذا الإسلام السياسي الذي يطالب حسن مكي أن يُمنح فرصة لحل مشكلات السُّودان المحوريَّة هو الذي نعته بالأقليَّة حين كتب عن "الحوار الإسلامي-الإسلامي مقدِّمة تأريخيَّة: دخول الإسلام السُّودان" وفي صحيفة يوميَّة "خرطوميَّة".  إذ يقول حسن مكي في تلك الصحيفة: "أمَّا الجديد على الخريطة الدينيَّة فهو بروز الجماعات السلفيَّة مثل أنصار السنة والسلفيين والإخوان المسلمين، والذين نظروا للدين كمنهج لحل مشكلات الحياة، ودخلوا إلى آفاق المعاصرة والسياسة والاقتصاد، وربما شكَّل هؤلاء 10% وأقل من الخريطة السُّودانيَّة، أي في حدود 2 مليون هم وأسرهم وأطفالهم، ولكن وزنهم السياسي والاقتصادي والعلمي (المفروض فرض عين لا فرض كفاية) أكبر بكثير من حجمهم العددي، وفي إطار هذه الثلاثيَّة - أي المتصوِّفة، واللامنتمين وللجماعات السلفيَّة الحديثة (...)."(9) 

ومن ثَمَّ لا نعدو عن الحق إذا أقرينا بفشل الإسلام السياسي وخطابه الروحي القائم على شعار "الإسلام هو الحل" ليس في السُّودان فحسب، بل في جميع أرجاء الوطن العربي.  وما الأعمال الإرهابيَّة التي تقوم بها "الجماعة الإسلاميَّة المقاتلة" و"الجماعة السلفيَّة للدَّعوة والقتال" (التي تغيَّرت اسمها إلى "تنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي" و"الجماعة الإسلاميَّة المسلَّحة") في الجزائر، حيث معقلها الأساس باسم "الجبهة الإسلاميَّة للإنقاذ" وجناحها العسكري "الجَّيش الإسلامي للإنقاذ" (بقيادة عباسي مدني وعلى بلحاج والمرحوم عبد القادر حشاني)، و"حركة العدل والإحسان" (ومرشدها عبد السَّلام ياسين) في المغرب، و"حركة النهضة" في تونس (بزعامة راشد الغنوشي)، و"الإخوان المسلمين" في ليبيا، وفي الصحراء الموريتانيَّة، ومصر والمملكة العربيَّة السعوديَّة واليمن والأردن وغيرها من البلدان، إلا نتاجاً لهذا الفشل السياسي.  وهذا ما تفطن إليه عالم السياسة الفرنسي أوليفييه كاري مبكراً وأصدر كتابه "فشل الإسلام السياسي"، ثم جاء بعده جيل كيبيل المختص الفرنسي في قضايا الوطن العربي والعالم الإسلامي، وأصدر العام 2000م كتابه "الجهاد: توسُّع وانحطاط الإسلاميَّة"، وكتب الدكتور حيدر إبراهيم علي عن "فشل المشروع الحضاري (الإسلامي)" في السُّودان.  إذن، ما هو التعريف السوسيولوجي للإرهاب؟  اعتماداً على نظريَّة في علم السياسة وسوسيولوجيا الإرهاب فإنَّ اللجوء إلى الإرهاب يتم حينما تفشل الحركة السياسيَّة في عمليات الاستقطاب والتعبئة الجماهيريَّة فتلجأ إلى العمليات الإرهابيَّة كآخر حل لتبقى طافحة ولا تندثر.  إذن الإرهاب هو فعل العاجز أي حينما يفشل أيديولوجيَّا (فكريَّاً) في تحقيق غاياته عن طريق التعبئة الاجتماعيَّة الجماهيريَّة، وحينما تبدأ أيديولوجيَّة هذه الحركة السياسيَّة في الخسارة تلجأ إلى الفعل الإرهابي لتفرض نفسها على أجندة الإعلام، وبالتالي الرأي العام وحتى لا تنقرض نهائيَّاً من الساحة.(10) 

أيَّاً كان الأمر، فقد أقام حسن مكي بحثه في هذا الكتاب الصادر بالإنكليزيَّة على افتراضيَّة وهميَّة وهي أنَّ السُّودان ظل "مستهدفاً في الماضي والحاضر، وسيظل السُّودان منازعاً في وجوده الحضاري وهُويَّته الإسلاميَّة".  ويتزيَّد حسن مكي ويستكثر: "لقد حاول الاستعمار الإنكليزي أن يطلق يد شركات الكنيسة العالميَّة وحركات التَّبشير المسيحي لتكييف السُّودان في إطار الثقافة الأوربيَّة النصرانيَّة، وتأصيل الشخصيَّة السُّودانيَّة في إطار العلمانيَّة بإيقاعها المسيحي، ولقد نجح هذا المخطط إلى حين من الدهر مما أدَّى إلى بروز السُّودان الجديد "رجل أفريقيا المريض" غير القادر على الحركة، لأنَّه مفتقر للمحفز الإسلامي، ولأنَّه افتقد طاقة التحريك حيث امتصَّت قوالب الفكر المسيحي وأشكال الهندسة العلمانيَّة الجديدة كل قدرات السُّودان الروحيَّة وقابليَّته للأخذ والعطاء والتَّأثير، وأصبح السُّودان جسماً لا عقل له وجسداً بلا روح، فاستحق عن جدارة لقب رجل أفريقيا المريض."(11)  ومن المستشرقين ممن ناشته سهام حسن مكي سبنسر تريمنغهام الذي كتب عن الإسلام في السُّودان والحبشة (إثيوبيا حالياً) وشرق إفريقيا وغربها.  وهو كان "أسقف الكنيسة الأسقفيَّة في السُّودان في الثلاثينيَّات (من القرن الماضي)، وهو صاحب نظريَّة موازنة الإسلام في الشمال بالمسيحيَّة الناميَّة في الجنوب، وذلك بإنشاء ترسانة من الكنائس (بحيث) تجعل من العسير على حركة الإسلام تشكيل حركة البلاد، لأنَّ ذلك سيخل بمعادلة التوازن وقد طُوِّرت هذه النظريَّة إلى شكلها الحالي، بحيث أصبح لعصبيات الهامش السياسي شل المركز، وأصبح متاحاً لقيادة هذه العصبيات مقابلة (الرئيس الأمريكي جورج دبليو) بوش و(رئيس الوزراء البريطاني توني) بلير ودوائر صنع القرار في الغرب، بينما حظ قيادات المركز حصد قرارات حظر الأموال، ومنع السفر في مجلس الأمن،"(12) هكذا يتحسَّر حسن مكي عن قيادات المركز.  وما يدريك لعل قيادات هذا المركز هي التي ترسل طائرات الأنتنوف الروسيَّة لتلقي على أهل الهامش السياسي – كما اعترف حسن مكي بهذا التَّهميش السياسي – القذائف القاتلة، بدلاً من مواد إغاثة "إسلاميَّة"؛ وهذه القيادات لم تصنع ما فعله رئيس الوزراء السُّوداني الأسبق عبد الله خليل الذي رفض أن يكون السُّودان بوابة الروس في أفريقيا حين طلب منه الأخير العام 1957م مقايضة قطن السُّودان الذي كسدت تجارته بالسلاح الروسي، فما كان من عبد الله خليل إلا أن رفض ذلك الطلب ملحاً أنَّه يريد ماكينات زراعيَّة وليست دبابات.  وإنَّ قيادات هذا المركز – الذي يتباكي عليها حسن مكي حسرة وندامة – لترفض في أكثر ما يكون الرفض المشاركة في السلطة السياسيَّة، وتقاسم الثروة القوميَّة.  ثمَّ إنَّها لترفض في أعنف ما يكون الرفض الاعتراف بهُويَّة الآخر وتعدُّد الثقافات واللغات وحقوق القوميات السُّودانيَّة الأخرى في ممارسة شعائرها وتنميَّة ثقافاتها والتَّعبير عنها في التعليم والحياة العامة، ولهم في ذلك حق معلوم – أي حق.

فبرغم من انتماء حسن مكي إلى الحركة الإسلاميَّة، إلا أنَّه يترك فرصاً للمناورة والمداورة، بحيث يستطيع أن يغسل يديه من المؤتمر الوطني متى ما شاء وكيفما ارتأى، وبخاصة في لحظات الحديث عن قضايا فشلت الحكومة في حلولها، أو تسبَّبت في تعقيدها، مثل الفساد المالي، الحرب الأهليَّة، أو المصالحة الوطنيَّة وغيرها.  فمخطئ من ظنَّ أنَّه يغرِّد خارج السرب، بل إنَّه ليجلس على السور الذي منه يستطيع أن يهبط سراعاً إلى حظيرة "الإنقاذ".  وعقب المؤتمر العام الذي عقده حزب المؤتمر الوطني – الحزب المتحكِّم، أي ربيب الحركة الإسلاميَّة – صرَّح  حسن مكي لصحيفة "إيلاف" الأسبوعيَّة "الخرطوميَّة" أنَّه لم يعد منتمياً سياسيَّاً للمؤتمر الوطني، ولا تنظيميَّاً للحركة الإسلاميَّة وحريَّته هي الأهم.  ثمَّ بدا فاغراً فاه بالنقد المقذع لرفاق الأمس، حيث قال: "ليس هناك عقل سياسي قادر على الجرد؛ الآن العقول السياسيَّة الموجودة تريد أن تتشبَّث فقط بالحياة، ومن مطلوبات التشبُّث بالحياة إظهار الولاء والطاعة، والهمة السياسيَّة الآن محدودة، لأنَّ كثيراً من الذين يملأون الوظيفة السياسيَّة لا ترشِّحهم جذورهم للأماكن التي يحتلونها، وليس من مصلحتهم فتح حيثيَّات سياسيَّة مركبة تحتاج إلى عقل سياسي، لأنَّ ذلك يكشف الخواء الفكري والفراغ، ونحن في مرحلة ستر العورات."  ويتعجَّب حسن مكي من إخوان الأمس متسائلاً: "هل رأيت ورقة عما يحدث في شرق السُّودان، أم رأيت ورقة عن مسار تحدِّيات تنفيذ مطلوبات (اتفاقيَّة) السَّلام (الشَّامل)، أو رؤية حول دارفور، أو حتى رؤية عن وضعيَّة العاصمة، أو رؤية عن استحقاقات الشراكة السياسيَّة، أو رؤية عن اتفاقات الشراكة السياسيَّة، أو مجرَّد تنوير عن الشراكة مع الحزب الاتحادي (الديمقراطي)، أو (السيد) محمد عثمان الميرغني، لا أحد يسأل هذه الأسئلة، ولا أحد يعرف الإجابات."  ويضيف حسن مكي قائلاً: "(...) أقول لك أنت لا تحسن الظن إلى هذا الحد وتعتبر أنَّ العقل السياسي مسكون بهذه القضايا، هم يعتبرون يحلها الحلال مثلما أنَّ المرأة تحمل فتلد، والشجرة تلقح فتثمر؛ هم يعتقدون أنَّ الزَّمن وحده كفيل بحل هذه المشكلات."(13)  وفي حوار صحافي آخر، يقول حسن مكي: "ناس الحركة الإسلاميَّة ما عندهم مقدرات، ويمثِّلوا المجتمع الإسلامي في زمن الانحطاط، وما عندهم مبادرات."(14)  ولا ندري أيَّة مقدرات ومبادرات يفتقدها "ناس الحركة الإسلاميَّة؟"  وما الذي دفع المجتمع الإسلامي السُّوداني إلى "زمن الانحطاط؟"  أفلم تكن هذه النتيجة من عقابيل سياسات الحركة الإسلاميَّة الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة والتعليميَّة والقضائيَّة بعد اغتصابهم للسُّلطة في السُّودان؟!



الحركة الإسلاميَّة في السُّودان (1969-1985م): تأريخها وخطابها السياسي

والكتاب الذي نحن بصدد نقده نكتب هذه السطور هو واحد من مجموعة الأسفار التي حملتها من السُّودان إلى المملكة المتَّحدة، وإنَّه لكتاب أهداه لي صديقان رفيقان، وإنَّه لشيء عظيم، وتعود عظمة الشيء هنا للهديَّة ذاتها معنى وقيمة، وتتعدَّاها إلى غيرها.  فليس هناك أعظم ما يثلج صدري ويريح فؤادي ويطفئ ظمأي مثل هدية كتاب، وبخاصة حينما تأتي من رفيق صديق.  ثمَّ إنَّه – أي الكتاب - "الحركة الإسلاميَّة في السُّودان (1969-1985م): تأريخها وخطابها السياسي"، ثمَّ إنَّه للدكتور حسن مكي محمد أحمد؛ والكتاب هو الطبعة الثانية من طباعة ونشر وتوزيع الدار السُّودانيَّة للكتب بالخرطوم العام 1999م.  ويقع الكتاب في 350 صفحة – أي من تلك الكتب التي يمكن وصفها بالحجم المتوسط – ويحتوي الكتاب بين دفتيه على الفهرس ( أو الفهرست لو أردتها فارسية لا عربيَّة)، ومقدِّمة الطبعة الثانية بقلم حسن مكي ذاته في 3 أيار (مايو) 1989م لدي المؤسسة الإسلاميَّة بمدينة ليستر الإنكليزيَّة، وكلمة الناشر، وفاتحة وتقديم بقلم المؤلِّف، ومبحث أول عن التطور السياسي "منظور تأريخي"، ومبحث ثان عن تطور التنظيم وكسب الحركة، وخمس عشرة وثيقة في باب ملاحق ووثائق.  فبرغم من أنَّ الكاتب لم يُحططنا علماً بمنهج بحثه، لكن من خلال قراءتنا للكتاب استنتجنا أنَّه استخدم منهج التحليل الوصفي (Descriptive analysis method).  فالكتاب هو "تكملة للدراسة السابقة التي أعدَّها حسن مكي عن "تأريخ حركة الإخوان المسلمين في السُّودان (1946-1969م)، ومواصلة لجهود توثيق تأريخ الحركة الإسلاميَّة في السُّودان" كما استحثَّ نفر كريم همته للقيام بهذه الدراسة.  والدراسة – كما نظن – هو امتداد لتأريخ الحركة الإسلاميَّة في السُّودان الذي لم ينته، ولذلك لم تكن تمثِّل الدراسة لذلك كذلك الإكمال في شيء.  وقد سألنا أنفسنا مراراً لِمَ لم تمتد الدراسة حتى العام 1989م – أو قل العام 1999م وهو تأريخ طباعة هذا الكتاب؟  ولعلنا لا نكون بعيدين عن الحقيقة إن قلنا إنَّ حسن مكي لم يرد أن يتفوَّه بأسرار مؤامرات الحركة الإسلاميَّة في الاستيلاء على السُّلطة عن طريق انقلابها العسكري العام 1989م.  على أيَّة حال، فقد صاغ حسن مكي دراسته بأسلوب سردي يغلب عليه في أكثر الأحايين الطابع السطحي في العرض، وعدم التعمُّق في الأحداث، وخلوها من القراءة التحليليَّة لما يكمن وراء الأحداث.  لذلك لتجدنَّ ما جاء في المبحث الأول لا يعطيك انطباعاً أبداً أنَّه كتاب كتبه أحد أقطاب ومنظِّري الحركة الإسلاميَّة؛ إذ كان ينبغي للمؤلف الكاتب أن يغوص في أعماق الحركة، ويدوِّن الكثير والمثير في تأريخها من غير أن يكتفي بهذا السرد القصصي الذي يمكن أن يأتي به صحافي – أي صحافي – أو من عاصر وعاش فترة النظام المايوي المباد.  إلا – بالطبع - إذا اعتبرنا أنَّ الخبر هو جزء تفصيلي من التأريخ كما جاء في مقدِّمة جليل العطيَّة في تحقيق مخطوطة "أخبار البرامكة"؛ إذ أنَّ كلمة "أخبار" تطلق على القصص التي تتناول أحوال النَّاس.

وفي سبيل انتقادنا لكتاب "الحركة الإسلاميَّة في السُّودان" سوف لا نحصر نقدنا للكتاب المذكور وحده فحسب، بل سوف نتعدَّى ذلك إلى جميع أعمال حسن مكي التي استطعنا الحصول عليها سبيلاً لنميط اللثام عما يقبع في أعماق الرجل من أفكار، وكذلك سوف نصوِّب سهامنا بدقة متناهية إلى مؤسسة الحكم في الخرطوم.  فلا يمكن أخذ أي عنصر من عناصر ومكونات المشكل السُّوداني على انفراد.  وفي الحق، لا يمكن النَّظر إلى الأحزاب السياسيَّة دون التطرُّق إلى مسألة الدين والسياسة، ولا البحث في أسلوب عملها بمعزل عن المؤسسة العسكريَّة والمسألة الإثنيَّة، وبخاصة أنَّ المسألة العرقيَّة هي أم المشكلات التي عرفتها الأمم عبر القرون.  فالانقلابات العسكريَّة في السُّودان – الناجحة منها أو الفاشلة – هي مشاريع مشتركة بين الأحزاب السياسيَّة والمؤسسة العسكريَّة، أو بصورة أخرى الضباط المسيَّسون في القوات المسلحة، إذ يحتفظ كل حزب بكوادر سياسيَّة أيديولوجيَّة في الجَّيش لمثل هذه المناسبات.

فقد قدَّم حسن مكي تحليلاً عاماً عن الانقلاب العسكري الذي قاده العقيد يومذاك جعفر محمد نميري في 25 أيار (مايو) 1969م، وعن البعد الإقليمي (الدور المصري) لحركة الضباط الأحرار، ومقاومة الإخوان المسلمين وحزب الأمة والأنصار والحزب الاتحادي الديمقراطي لهذا النظام العسكري الجديد من منطلق أنَّه نظام شيوعي، وإنَّه لبعيد عن الإسلام.  إنَّ اختزال أسباب قيام انقلاب مايو في البعد الإقليمي بهذا الشكل والمحتوى ليعد تقصيراً في البحث الذي ينبغي أن يكون متكاملاً شاملاً عن الظروف التي تداعت وأدَّت إلى انقضاض العسكر على السُّلطة، وبخاصة الأحوال السياسيَّة الداخليَّة.  فقد كانت الديمقراطيَّة في أسوأ تجلِّياتها، أو – قل إن شئت – كانت في أسوأ ما أراد لها رجال الأحزاب أن تظهر إلى الناس.  وكان أحد هذه التداعيات الفوضى الحزبيَّة أو الأداء السياسي الذي بدأ وبدا مشوَّهاً ولم يكد يأبه بقواعد اللعبة السياسيَّة، ولم يكن يعير القانون انتباهاً؛ وهنا تجدر الإشارة إلى ملهاة طرد نواب الحزب الشيوعي السُّوداني من الجمعيَّة التأسيسيَّة (البرلمان) وحظر الحزب من ممارسة نشاطه السياسي في الشارع السُّوداني.  ولعلَّ هذا الإجراء التعسُّفي يدفع بالمقهورين دوماً إلى البحث عن – واستخدام – الوسائل غير الشرعيَّة لاسترداد حقوقهم.  وحسن مكي حينما يتحدَّث عن علاقة المؤسسة العسكريَّة مع الانقلاب العسكري لنظام مايو كان ينبغي عليه أن يتجاوز ما حدث - وما زال يحدث – داخل المؤسسة العسكريَّة نفسها، ويبحث عن الأسباب الجذريَّة التي تجعل القوى السياسيَّة في بلد ما كالسُّودان تستخدم المؤسسة العسكريَّة كأداة للاستيلاء على السلطة، وفي بلد آخر كالهند أو لبنان مثلاً، حيث يغليان بالمشكلات السياسيَّة والتناقضات الحادة والعنيفة ذات البعد الديني والطائفي والإثني وغير ذلك، لا تستخدم الجَّيش كأداة للاستيلاء على السُّلطة.  ثمَّ ما هو دور رجال الأحزاب والقيادات الدينيَّة-السياسيَّة في معارضة الانقلاب المايوي على وجه الخصوص وأي انقلاب عسكري على وجه العموم؟  فحديث حسن مكي عن مقاومة الأحزاب السياسيَّة التقليديَّة لانقلاب مايو لهو اللغط المبين، والتغطية الجائرة على الحقائق، أو تحريفاً لما يجب أن يُقال أو يُؤرخ؛ إذ نقول هذا ونحن متيقنين بالخلفية المجافيَّة لكلام حسن مكي حينما نكشف الستار عن الدور أو الأدوار التي قام بها رجال الأحزاب والقيادات الدينيَّة-السياسيَّة في معارضة الانقلاب المايوي على وجه الخصوص بُعيد حدوثه، وأي انقلاب عسكري على وجه العموم. ولنأخذ موقف حزب الأمة متمثلاً في قائده السيِّد الصادق المهدي.

فقد ورد في محضر الاجتماع الذي تمَّ بين السيد الصَّادق المهدي وقائد الانقلاب المايوي العقيد جعفر محمد نميري أنَّ الصَّادق قد قدَّم لنميري عدة مآخذ على حكومة الانقلاب كان أولها هو "غلبة الطابع الشيوعي على الحكومة الجديدة"، وأضاف الصَّادق: "هذه هي مآخذنا على التكوين الحكومي الجديد وبناءاً عليها حدَّدنا رأينا الذي أعلناه وهو إدانتنا للعهد البائد ولفساده، وترحيبنا بالإصلاح الثوري للمفاسد واعتراضنا على طغيان العنصر الشيوعي على الحكومة الجديدة ومعارضتنا لذلك."  ويمضي الصَّادق قولاً في ذلك الاجتماع: "إنَّنا لسعداء جداً بزوال العهد المباد فهو عهد أفسد فيه السَّادة، وأفسدت فيه أحزابهم التطبيق الصحيح للديمقراطيَّة."  ويضيف الصَّادق في جزء آخر من المحضر: "ربما كنا الجزء الوحيد في الحركة السياسيَّة الذي علم بحركتكم قبل وقوعها بحوالي الساعة، ولكننا لم نشأ أن نقوم بعمل مضاد لأنَّنا في حالة اقتناع تام بأنَّ الوضع البائد لا يستاهل الإنقاذ."  ويواصل الصَّادق حديثه: "وكنا نحس بالمشاكل (المشكلات) التي تجول وتدور في الجَّيش وبمشاعر كثيرين من عناصره التي تريد مخرجاً.  وغريب أن لم نعثر عليكم وتفهموا خطنا وهو إيجاد مخرج ثوري عن طريق دستوري انطلاقاً من قرار المحكمة، وعندما تباطأ القضاء وساءت أحوال البلاد، كان همَّنا تغيير موازين القوى السياسيَّة، وإنهاء الوضع القائم بأسرع ما يمكن."  مما سبق يتَّضح أنَّ السيد الصَّادق المهدي لم ينف أنَّ حزب الأمة قد قبل الانقلابات العسكريَّة كأحد أساليب الاستيلاء على السُّلطة؛ فلم يرفض السيد الصَّادق المهدي الانقلاب العسكري الذي حدث في 25 أيار (مايو) 1969م لأنَّه انقلاب عسكري، ولكن لأنَّ توجهه شيوعي، وهذا يعني قبول أسلوب الانقلاب العسكري ورفض التوجه السياسي والفكري لمنفِّذي الانقلاب العسكري.  إذ لم يكن يستبعد السيِّد الصَّادق المهدي الانقلاب العسكري كأحد أساليب التغيير السياسي للواقع الذي كان يرفضه في ذلك الوقت، وتعشَّم الصَّادق في أن ينجز انقلاب مايو التحوُّل الديمقراطي هو عشم ذو بعد شمولي واضح يعكس القناعة بأنَّ نظاماً عسكريَّاً يمكن أن يزيل الضعف الذي أصاب نظاماً ديمقراطيَّاً.  إنَّ القراءة المتأنية لمحضر الاجتماع بين قائد انقلاب مايو 1969م والسيِّد الصَّادق المهدي في 3 حزيران (يونيو) 1969م لتوضح بأنَّ الصَّادق قد أراد في ذلك الاجتماع تقديم حزب الأمة كبديل للحزب الشيوعي في تبني انقلاب مايو؛ فما قدَّمه الصَّادق لقائد الانقلاب في ذلك الاجتماع لم يكن فيه رفض للانقلاب العسكري وقبول للتعاون المحدود، وإنَّما كان برنامجاً متكاملاً ورؤية محددة لكيفيَّة تكوين حكومة الانقلاب، وبرنامج عملها، وكيفيَّة معالجتها للعديد من القضايا، ويمكن استخلاص ذلك في حديث الصَّادق عن "خطر السيطرة الشيوعيَّة لا يأتي من تقدميتها، بل نحن لا نعرف لها برنامجاً محدداً، ولا حتى لغيرها من أحزاب السُّودان، ونحن لنا برنامج محدد يوضح كيفيَّة تطور السُّودان في هذه المرحلة التأريخيَّة، ونعتقد أنَّه جاد وتقدُّمي وهنا سلمته نسخة من إصلاح وتجديد للمعلوميَّة."(15)  بيد أنَّ الغريب في الأمر هو أنَّ العهد البائد الذي يتحدَّث عنه الصَّادق بهذه الكيفيَّة هو كان أحد أركانه، وهؤلاء الأسياد الذين أفسدوا الحياة الحزبيَّة والسياسيَّة كان هو أيضاً أحد هؤلاء الأسياد المرموقين.  وما حديث الصَّادق بأنَّه "عندما تباطأ القضاء وساءت أحوال البلاد كان همَّنا تغيير موازين القوى السياسيَّة، وإنهاء الوضع القائم بأسرع ما يمكن"، إلا اعترافاً ضمنيَّاً بأنَّهم كانوا يخطِّطون للتغيير، والطريقة الوحيدة القادرة على إنهاء الوضع القائم حينئذٍ بأسرع ما يمكن هي استخدام الجَّيش في عمليَّة انقلابيَّة.  وقد دفعت تصريحات الصَّادق المهدي هذا بأمن النظام الجديد أن يبحث عن عناصر حزب الأمة في القوات المسلَّحة لتحييدها.(16) 

علاوة على البعدين المحلي والإقليمي، هناك بعد ثالث ألا وهو البعد الدَّولي، والذي لم يتطرَّق حسن مكي عنه بتاتاً في الكتاب حتى تكتمل الأبعاد الثلاثة.  إذ أنَّ السياسات المحليَّة (الداخليَّة) تتجاذبها الصراعات الإقليميَّة، والتي بدورها تتأثَّر سلباً وإيجاباً، أو تنافراً وتجاذباً مع التوجه العالمي والمصالح الدوليَّة من قبل الأطراف الفاعلة في النظام العالمي القديم والجديد.  فقد جاء انقلاب مايو في عصر الصراع الحاد بين المعسكر الشرقي (الاشتراكي) والغربي (الرأسمالي) فيما عُرِف ب"الحرب الباردة".  فهل كان لأحد قطبي النزاع الدَّولي دوراً رائساً في هذا الانقلاب المايوي في التخطيط أو التنفيذ أو تسليح الجيش السُّوداني فيما بعد الانقلاب لمواصلة الحرب الأهليَّة في جنوب السُّودان؟  هذه التساؤلات لم يجاوب عليها حسن مكي في الكتاب.  فقد كان الدَّور المصري والسوفيتي بارزاً في استمراريَّة الحرب الأهليَّة في جنوب السُّودان لصالح النظام المايوي، وذلك قبل التَّوقيع على اتفاقيَّة أديس أبابا لإنهاء هذه الحرب العام 1972م.  هذا الإسناد الخارجي والتموضع في محور سياسي عالمي، والذي أتي أوكله في شكل إمداد عسكري وتخطيط حربي، هما اللذين تنكرهما حكومات السُّودان دوماً وعلى مختلف مللها ومشاربها.  لم يضع حسن مكي الأبعاد الثلاثة كحدٍ أدنى لسرده غير المؤسس تأسيساً موضوعياً بل ذهب مهب الريح ليطرق أبواباً غير ذي جدوى.

ثمَّ ندلف إلى مشروع الاندماج العربي بين السُّودان وليبيا ومصر.  إذ أنَّ فكرة الاندماج هذه لم ترق لبعض أحزاب السُّودان وأهله، ولكن كان لكل واحد منهم أسباب اعتراضه على ذلك الاندماج.  إذ "كانت قيادة الحزب الشيوعي السُّوداني ضد فكرة الوحدة الاندماجيَّة مع مصر وسوريا وليبيا لأنَّها ستضعف مركز الحزب، وتهدِّد بتذويبه، وقد ازداد هذه الصراع الخفي حينما وقَّع نميري على ميثاق طرابلس (في) 27 كانون الأول (ديسمبر) 1969م، (وكانت قد) استلمت حكومته مبلغ 7,5 مليون دولاراً في 27 تشرين الأول (أكتوبر) 1969م من الإدارة الليبيَّة الجديدة اشتهر فيما بعد بقرض الكرامة."(17)  وكما أسلفنا ذكراً، فقد توجَّس الشيوعيُّون من قيام أي شكل من أشكال "الوحدة العربيَّة" معتبرين الظروف الراهنة غير ناضجة، لذلك رفعوا شعاراً بديلاً هو "التضامن العربي ضد الرجعيَّة والإمبرياليَّة"؛ والواضح أنَّ دافعهم إلى ذلك هو أنَّ قيام أي نمط من أنماط الوحدة بين الأنظمة الثلاثة سيتبع تعميم تجربة الجمهوريَّة العربيَّة المتحدة على السُّودان لجهة حل الحزب الشيوعي السُّوداني، وانضوائه في إطار تنظيمي مشابه للإتحاد الاشتراكي في مصر، وهم يذكرون في ذلك تجربة الوحدة المصريَّة-السوريَّة العام 1958م مع الحزب الشيوعي السُّوري.  فلقد كان اتجاه الحكم السُّوداني نحو الدخول في الاتحاد الثلاثي يفترض بالضرورة إتباع سياسة داخليَّة تجاه القوى الحزبيَّة، ولا سيما الحزب الشيوعي، متجانسة مع سياسة النظامين الآخرين، وبخاصة لجهة ضرب قوة الحزب الشيوعي.  ولقد لقيت توجهات الرئيس نميري نحو التكامل بين مصر والسُّودان في الشأنين السياسي والاقتصادي ليست المعارضة المدنيَّة فحسب، بل أزعجت هذه التحركات المشبوهة القوات المسلَّحة السُّودانيَّة، مما أدَّى إلى طرد 17 ضابطاً من الخدمة العسكريَّة لاعتراضاتهم على سياسات نميري الخارجيَّة والداخليَّة، وكانت أغلب اعتراضاتهم منصبة على التقارب الخرطومي-القاهري، وبخاصة معاهدة الدفاع المشترك بين السُّودان ومصر العام 1976م.  وقد شملت قائمة الإعفاء من الخدمة العسكريَّة كل من اللواء عبد الله محمد عثمان (قائد حرس الحدود وسكرتير تنظيم الضباط الأحرار)، واللواء خالد الأمين الحاج (المفتش-العام للقوات المسلحة).  أما اللواء خالد حسن عباس - العضو السابق لمجلس قيادة انقلاب "مايو"، ومولانا بابكر عوض الله – نائب الرئيس، والرائد مأمون عوض أبو زيد – الأمين العام للاتحاد الاشتراكي السُّوداني، والدكتور محي الدين صابر – وزير التَّربية والتَّعليم السابق، فهؤلاء هم من القوميين العرب الذين أغضبتهم اتفاقيَّة أديس أبابا العام 1972م وفضَّلوا المنفى الاختياري في مصر.  وفي كانون الثاني (يناير) 1979م احتج ثمانية من الأعضاء الجنوبيين في الاتحاد الاشتراكي السُّوداني لدي رئيس مؤتمر برلمان وادي النيل (مصر والسُّودان)، وطالبوا بإخضاع الاتحاد المصري-السُّوداني المقترح للاستفتاء الشَّعبي.  وكان موقعو خطاب الاحتجاج يزعمون أنَّهم يتحدَّثون باسم 60 نائباً آخرين، واستهجنوا رغبة مصر في الاتحاد مع السُّودان بأنَّها استعماريَّة الغرض، وكانت حجَّتهم في ذلك بأنَّ هذا الاتحاد سوف يسمح لمصر – التي هي دولة أكثر تقدُّماً من السُّودان – أن تقذف ببضاعتها في السُّودان، وبذلك تقل أهميَّة المصنوعات المحليَّة.  ثمَّ استدركوا الإخفاق الفاضح في تجربة الاندماج المصري-السوري السالفة الذكر، التي أفضت إلى الجمهوريَّة العربيَّة المتحدة، وانتهت بحلها بعد ثلاث سنوات وفي أعقاب صراع سلطوي مرير بين الرئيس المصري جمال عبد النَّاصر والحزب الاشتراكي السُّوري.  ثم أشار الأعضاء المحتجون – لذلك كذلك – إلى تجربة السُّودان الفاشلة مع ليبيا العام 1973م، ورفضوا الانصهار الثقافي بين القطرين - المصري والسُّوداني – لأنَّه تعالي مصري، وإنَّه لسوف يسيء إلى الدستور، وإنَّه سيتبنَّى ازدواجيَّة الجنسيَّة، بحيث يصبح السُّودان منطقة لتفريغ سكان مصر المتزايد.  كما رفض الأعضاء الجنوبيُّون التكامل التَّعليمي؛ إذ إن كان هناك ثمة شيء على هذا النحو فينبغي أن يسود بعد تكامل التعليم بين الشمال والجنوب في السُّودان أولاً، وليس قبل ذلك.(18)  هذا التدافع العربي الذي كان قادة مصر وليبيا يلحون عليه كان واحداً من مشكلات السُّودان الجوهريَّة، ويمثِّل العنصر الرئيس في صراع الهُويَّة الذي ظهر جليَّاً فيما بعد.  وفي تشرين الثاني (نوفمبر) 1970م حين أُعلِن عن الاندماج بين الدول الثلاثة تسبب هذا الإعلان في طرق ناقوس الخطر في الجنوب لأنَّ هذا الإعلان قد يفتح الأبواب واسعاً على مصاريعها للتدخل المصري والليبي عسكريَّاً في جنوب السُّودان أولاً، وإنَّ ارتباط نميري بالعرب من غير الأفارقة ليفاقم صراع الهُويَّة في السُّودان ثانياً.

إزاء هذا الاندماج العربي ظهرت مدرستين:  الأولى التي تروق لها الفكرة، ودعاتها يزعمون ضرورة هذا الاتجاه لتعضيد الانتماء العربي للسُّودان وما يجنيه من هذا الانتماء من الفوائد المتبادلة.  أما دعاة المدرسة الرافضة فيمكن تلخيص أسباب رفضهم في الآتي:

(1)   التباين الاقتصادي بين السُّودان وليبيا.

(2)   التوجس من سيطرة المصريين على السَّودانيين.

(3)   الضرر الذي يمكن أن يسبِّبه هذا الاندماج على صعيد العلاقة بين الشمال والجنوب,

ولا شك في أنَّ هذا الاندماج العربي يهدِّد الأعراف والتقاليد التي تؤسس الهُويَّة السُّودانيَّة وثقافات المجتمع السُّوداني، وإن لم يتم طرح مسألة الهُويَّة هذه بصورة صارخة كما حدث في بداية الثمانينيَّات.  وإن سمح لهذا الاندماج أن يأخذ مجراه غير الطبيعي فسيجد الشَّعب السُّوداني في نهاية الأمر تائهين بين الفكر والواقع.  فسوف لن يكون الفكر انعكاساً للواقع ولا الواقع انعكاساً للفكر (جدليَّة الفكر والواقع)، حيث يجد الفرد السُّوداني نفسه في نهاية المطاف عائماً هائماً بين وعي فردي وجمعي يشكل تكوينه الثقافي عبر الأزمنة التأريخيَّة والأماكن الجغرافيَّة وبين منظومة فكريَّة حداثيَّة تأتيه من سياق المجال التداولي الثقافي المتعارف عليه أو الذي ينتمي إليه، الأمر الذي سوف يؤدِّي إلى تمزيق الهُويَّة بين الأصل الاجتماعي-الثقافي للذات من جهة، وبين مفاهيم جديدة لا تجد معيناً مدادياً أو تأريخيَّاً داعما لها من جهة أخرى، وهي الادعاء الصَّارخ للثقافة العربيَّة والدم العربي النقي والكرم العربي وغيرها من الادعاءات التي تنفي الآخر من الوجود نظريَّاً وعمليَّاً وكأنَّه لم يكن.  فقد تناول كتاب حسن مكي مسألة الهُويَّة الدينيَّة والثقافيَّة لشعب السُّودان، إذ اختزله الكاتب في الدين الإسلامي واللغة العربيَّة مع نفي الآخر تماماً وكأنَّما لم يكن موجوداً.  وقد بلغ بحسن مكي الشطط حتى اعتبر "اللغة الإنكليزيَّة ذاتها لغة إسلاميَّة، لأنَّ المتكلمين بها من المسلمين أكثر من المتكلمين بها من أهلها، حيث يتكلَّم بها قرابة المائتي مليون مسلم، بينما لا يتجاوز الأنجلو-ساكسون في إنكلترا أو أمريكا وغيرها 150 مليون نسمة."(19)  فاللغة أداة مجرَّدة، ويمكن تعريفها بأنَّها أصوات يُراد بها أغراض، فكيف يمكن نعت هذه الأداة بالإسلام!  مهما يكن من الأمر فيقر حسن مكي "أنَّ الجغرافيا والتأريخ تحدِّدان الهُويَّة، مثل الظلم والتَّهميش والفقر، مما يؤدِّي إلى تشكيل الهويَّة المعاكسة أو المضادة أو حتى المصادمة، وفي الغالب تكون محدداتها ودوافعها سياسيَّة-اجتماعيَّة، وتنمو فيروسات هذه الهُويَّة في البيئة الهشة، والظروف الهشة، والثقافة الهشة، وقد حدث شيء مثل هذا في السُّودان (...)."(20) 

تلك هي الظروف المحليَّة والإقليميَّة والدَّوليَّة التي وُلِدت فيها المعارضة السياسيَّة والعسكريَّة باسم الجبهة الوطنيَّة ضد نظام نميري بدءاً بأحداث الجزيرة أبا وأم درمان (ود نوباوي) العام 1970م، وحركة 19 تموز (يوليو) 1971م.  والسؤال الذي له رابطة وثقى بجدل المقاومة الحزبيَّة لانقلاب مايو، والذي ما زلنا نطرحه بإلحاح هو لِمَ لم تشرك الجبهة الوطنيَّة الأنصار الذين كانوا يعسكرون في أثيوبيا في حركة 2 تموز (يوليو) 1976م وكان تعدادهم أربعة آلاف شخصاً؟  إذ كان هؤلاء – في جانبهم الأعم – أنصاراً بايعوا الإمام الهادي، وكانوا يعتقدون أنَّ الإمام لم يمت بعد، وهم في انتظار الإمام الغائب، أو يأتيهم أحد من الجزيرة أبا بنبأ يقين.  وهل رأى السيِّد الصَّادق المهدي – والذين كانوا معه – أنَّ هؤلاء قد أدَّوا دورهم الجهادي في أحداث الجزيرة أبا وود نوباوي بأم درمان، وجاء دور أتباع حزب الأمة بغرب السُّودان (دارفور تحديداً وكردفان إلى حد ما) لكي يكتووا بنيران المؤسسة العسكريَّة؟  فلو تمَّ الهجوم على النظام المايوي من الشرق (أثيوبيا) والشمال الغربي (ليبيا) لأصبح الأمر مختلفاً تماماً.  غير أنَّ الأدهى والأمر هو أنَّه بعد اقتلاع نظام نميري في الانتفاضة الشَّعبيَّة في نيسان (أبريل) 1985م وعودة أحزاب الجبهة الوطنيَّة من الخارج لم يحظ أفرادها العسكريُّون – وهم من أبناء المناطق المهمَّشة – بالقدر اليسير من التَّعويضات التي بها استمتع مقربو حزب الأمة فيما عرف بتعويضات أراضي أم دوم الشهيرة وغيرها، ولم يتم حتى وضع نصب تذكاري لشهداء عمليَّة 2 تموز (يوليو) 1976م التي عُرفت أمنياً وإعلاميَّاً من قبل نظام مايو ب"المرتزقة".  فربما كان هذا التجاهل والتناسي – وأسباب أخر – هما اللذان أحبطا أبناء هذه المناطق في المشاركة في أيَّة معارضة عسكريَّة تحت لواء رجال الطوائف الدينيَّة-السياسيَّة في السُّودان وأحزابهم – الأمة والاتحادي الديمقراطي – كما ظهر هذا جليَّاً في مستهل التسعينيَّات، أو فيما عُرِف ب"التجمع الوطني الديمقراطي" وفشله في تجنيد قوة عسكريَّة ضاربة بها يستطيع هدَّ النظام "الإنقاذي" من جذوره.

ثمَّ نقفز إلى مسألة الدين المسيحي.  فبرغم من أن تعداد معتنقي هذه الديانة قليلون إلا أنَّ الحركة الإسلاميَّة جعلت منها عدواً شريراً تارة، وباتت تصفها بأقذع العبارات تارة أخرى، وتضعها في خانة الديانات غير السماويَّة بالقياس تارة ثالثة.  فلا ريب في أنَّ المسيحيَّة سبقت دخول الإسلام في السُّودان بنحو قرن، وإنَّ احترام الأديان السماويَّة وغير السماويَّة ليقتضي إيلاء هذه العقيدة اعتباراً خاصاً.  تلك هي الأثناء التي فيها "أعلن جهاز الأمن إلقاء القبض على خليَّة مسيحيَّة سريَّة تعمل على تنصير المسلمين، وقد استطاعت تنصير أربعين عائلة من العرب الرحل في أم روابة".(21)  ويضيف حسن مكي أنَّ الأب أغسطونيوس باروني رئيس أساقفة الكنيسة الكاثوليكيَّة بالخرطوم قد صرَّح "للصحافة الأجنبيَّة أنَّ هذا أول نجاح للكاثوليك في تنصير جماعي للمسلمين، وقد نتج جزئياً عن استغلال المبشرين لظروف الضغوط الاقتصاديَّة والتحولات الاجتماعيَّة التي بدأت تنتاب السُّودان ابتداءاً من العام 1980م."(22)  كباحث تأريخي، كان على حسن مكي ألا يأخذ البيانات الأمنيَّة التي تبثها أجهزة النظام الشمولي كحقيقة ثابتة، لأنَّها تُعد دائماً لخدمة النظام سياسيَّاً وتبييض وجهه وصرف أنظار الناس عن الأمر الجلل.  فلا نحسب – وليس هذا برجم الظنون، أي التكلم بالظن – أنَّ من يبغون نشر المسيحيَّة في السُّودان ينشئون خلايا سريَّة لتعميم الدعوة إلى الله، وإذا كان الأمر كذلك لما صرَّح الأب أغسطونيوس علانيَّة إلى وسائل الإعلام.  وكيف يستنكر حسن مكي ما سماه "استغلال المبشرين لظروف الضغوط الاقتصاديَّة والتحولات الاجتماعيَّة" لتنصير الناس!  أفلم تقم الحركة الإسلاميَّة بمثل هذه الأفاعيل، مستغلَّة – في تلك المعاملات – كافة واجهات العمل الإسلامي، وهي كثر نذكر منها: "منظمة الدعوة الإسلاميَّة"، "المركز الإسلامي الأفريقي (جامعة أفريقيا العالميَّة حاليَّاً)"، "جماعة الفكر والثقافة الإسلاميَّة"، "بنك فيصل الإسلامي"، "جمعيَّة الإصلاح والمواساة"، "الوكالة الإسلاميَّة الأفريقيَّة للإغاثة"، "الهيئة الإسلاميَّة لجنوب السُّودان"، "جمعيَّة رائدات النَّهضة"، "منظمة شباب البناء"، "روابط الفتاة المسلمة ودور المؤمنات"، "هيئة إحياء النشاط الإسلامي"، "الندوة العالميَّة للشباب الإسلامي"، "الجمعيَّة الطبيَّة الإسلاميَّة"، و"الجمعيَّات الخيريَّة والاجتماعيَّة الأخرى".  كما ظهرت للحركة الإسلاميَّة عدة روابط ثقافيَّة على المستوى الإقليمي ك"جمعيَّة الفاشر المسرحيَّة"، "رابطة الرسامين والخطاطين بدارفور"، "رابطة الآداب والفنون"، و"رابطة الخنساء الأدبيَّة بسنار".  وقد اعترف حسن مكي أنَّه قد تمَّ "إعداد دستور ومشروع قيام منظمة الدعوة إسلاميَّة ليس فقط في جنوب السُّودان، ولكن في كل أفريقيا وشعوبها".(23)  مهما يكن من الأمر، فإن جميع هذه المنظَّمات والجمعيات والوكالات والهيئات والروابط قد أُنشئت وهم لا يرجون منها إلى الله وقاراً، بل ترجع أسباب النشأة إلى الحِكَم المصلحيَّة المتعلِّقة بالأمور الدنيويَّة والإيالة السلطانيَّة.  فأين هم من الدكتور محمد يونس الفائز بجائزة نوبل لعام 2006م عن دوره في تأسيس "مؤسسة غرامين" التي تعني بتمويل الفقراء في بنغلاديش، وامتدَّ نشاطها لتشمل خدماتها التمويليَّة أو ما يطلق عليه (Microfinance) أكثر من ثلاثة ملايين في بلدان فقيرة عدة.  والجدير بالذكر أنَّ الدكتور محمد يونس أسس "مؤسسة غرامين" العام 1997م بعد نيل الدكتوراه في الاقتصاد من جامعة متميِّزة في الولايات المتحدة، وعودته إلى بلده بنغلاديش برأس مال يقل عن 10 آلاف دولار من دون أن يعطي خدماته التمويليَّة للفقراء صفة إسلاميَّة أو دينيَّة أخرى.

فقد سيطرت فكرة هُويَّة الأمة "الإسلاميَّة" ووسواسها الخناس على ذهنيَّة الحركة الإسلاميَّة باكراً، نتيجة الصراع الإيديولوجي المرير مع الحزب الشيوعي السُّوداني الذي حققَّ نجاحاً ملحوظاً في الحياة الثقافيَّة والتعليميَّة والنقابيَّة في بادئ الأمر.  إذ استطاع الحزب الشيوعي في ذلك الرَّدح من الزمان أن يسيطر على منبر جامعة الخرطوم المتمثِّل في اتحاد طلابها، واتحاد مزارعي الجزيرة ونقابات العمال والسكة حديد وغيرها.  كان ذلك في العهد الذي سادت فيه الأيديولوجيات الاشتراكيَّة والشيوعيَّة والليبراليَّة وغيرها.  وفي هذا الشأن كتب الأستاذ محمود محمد طه: "إنَّ الماركسيَّة لمدرسة من مدارس الاشتراكيَّة، لها حسناتها، وعليها سيئاتها، وما ينبغي أن نحسب أخطاء الماركسيَّة على الاشتراكيَّة بحال من الأحوال."(24)  وهنا تجدر الإشارة إلى أنَّ الحزب الشيوعي السُّوداني هو التنظيم السياسي الذي كان له ارتباط حقيقي بالشعب، وهو كان يدرك ماذا يفكر الناس، وبماذا يحسون، وماذا يريدون.  أما بقيَّة الأحزاب السياسيَّة الفاعلة فهي بعيدة كل البعد عن هموم الشعب، ولها ارتباط محدود فقط بقلة من الطبقة المتوسطة من المجتمع وبنسبة أقل كثيراً بالطبقة العليا، وتفتقد "الملامسة" مع الإنسان العادي في الشارع الذي يكدح كدحاً غير ملاقيه من أجل كسب العيش، في الأحايين التي ينفق فيها قادة هؤلاء الأحزاب جل وقتهم في الجدال السفسطائي.  ولكي تجاري الحركة الإسلاميَّة عدوها اللدود وغيره من الأحزاب السياسيَّة الأخرى، بدأت في تجنيد الطلاب بأن تتوسَّم في بعضهم خيراً، وتغري البعض الآخر بالمال، ثم سرعان ما اشتهرت بتزوير الانتخابات لتسلُّق مقاعد الاتحادات الطلابيَّة حين يلوح لها الفشل في الآفاق.  أمَّا الذين وقفوا ضد هذه الظاهرة الدينيًَّة المسيَّسة وبزوا أعضاء الحركة الإسلاميَّة انتخابَّاً فضربوهم بالحديد والهراوات ضرب غرائب الإبل، أي ضرباً مجرحاً أحياناً ومميتاً في أحايين أخرى.  هذه هي الطرائق التي سلكوها للسيطرة على الاتحادات الطلابيَّة، ولم يرضوا بغيرها بديلاً.  هل ترى أنَّ مثل من شب وشاب على هذه السبل يمكنه أن يعير معايير الديمقراطيَّة والتداول السلمي للسلطة أي اهتمام!  وحين استلبوا السُّلطة السياسيَّة في البلاد ابتدروا وابتكروا مفاهيماً غرائبيَّة ك"الإجماع السكوتي" مثلما تمسَّك الرئيس الجزائري الأسبق أحمد بن بيلا كثيراً بمقولة "الشَّعب معي" التي تطيح كل الصيغ التمثيليَّة الديمقراطيَّة، وتحيل الأمر إلى نوع "من الشَّعبويَّة" التي عرفها أكثر من نظام ديكتاتوري.  على أيَّة حال، فقد حشر الإخوان المسلمون عبر سنواتهم الطويلة الفكر الإسلامي في خانة الهجوم والدفاع عن كل شيء وأسلمته، وقد بلغت ذروة هذا الإرهاب الفكري والديني في عهد "الإنقاذ" الذي جثم على البلاد والعباد منذ العام 1989م، حتى بات من الصعب حقاً أن تفارق الذهن بسهولة الترابصات الإرهابيَّة لميراث هذه الجماعة الإسلامويَّة في تأريخنا القريب، مما جعلنا نقول في أنفسنا ولأنفسنا ولغيرنا: رباه ما لهؤلاء الناس يشبهون هتلر وجماعته!  وإنَّ الدستور الإسلامي الذي طالما استخدمه الإخوان المسلمون كأداة لابتزاز الأحزاب السياسيَّة اليمينيَّة (الطائفيَّة) من جهة، واليساريَّة من جهة أخرى، والوسيطة والتجمعات الإقليميَّة من جهة ثالثة منذ الاستقلال حتى قبيل انقلابها العسكري العام 1989م، عادوا يعدون مناقب هذه الحملة وعواقب التطبيق.  فقد كتب حسن مكي أنَّ "الحركة الإسلاميَّة السُّودانيَّة (قد) فشلت نسبيَّاً في تفجير طاقات التدين في اتجاه التنمية والنهضة".  وأقرَّ أنَّها "ارتبط خطابها تأريخيَّاً بفكرة الإصلاح القانوني كأساس للتحول الحضاري؛ ولذلك تمحور خطابها حول فكرة الدستور الإسلامي، التي أدَّت إلى استقطاب ما بين النخب الحاكمة والجماهير، كما زادت من توتر العلاقات ما بين الخارج والداخل (...)."(25)  هكذا ركَّزوا جهدهم على الغوغائيَّة السياسيَّة والخطاب التحريضي أكثر من إيجاد سبل عمليَّة وعلميَّة لمواجهة قضايا البلاد المحوريَّة.  ويظهر هذا العجز الخبراتي في أيامهم الأولى في عهد مايو حين كلَّفت الحركة فصيلاً من خبرائها الاقتصاديين لإعداد ورقة اقتصاديَّة لتقديمها للاتحاد الاشتراكي السُّوداني.  إذ اضطرَّ نميري - الذي لم يدرس الاقتصاد - أن يثنى على كل الأوراق التي قُدِّمت إليه في فترة الولاية الثانية فيما عدا الورقة الاقتصاديَّة التي أعدَّها اقتصاديو الحركة الإسلاميَّة.  فقد علَّق الرئيس نميري "بأنَّ البرامج الاجتماعيَّة والثقافيَّة والسياسيَّة لا بأس بها، ولكن لا جديد في المقترحات الاقتصاديَّة،" وهنا يعترف حسن مكي أنَّ ملاحظات نميري كانت في محلها، ولم تخطيء سهامه.

ولعل أم المشكلات في السُّودان هي المسألة الاقتصاديَّة، وفي هذا الصدد يقول حسن مكي معترفاً بقصور الحركة الإسلاميَّة في هذا الجانب: "ولكن الخطاب الاقتصادي أضعف حلقات خطاب الإسلاميين وعلى الأخص الخطاب الذي يتنزل على واقع السُّودان وواقع أهله، ومع ازدهار مؤسسات المال الإسلامي من مصارف وشركات وبيوت مضاربة وتأمين، إلا أنَّ ذلك لم يصحبه خطاب اقتصادي ودراسات اقتصاديَّة تبيِّن خصائص الاقتصاد السُّوداني، كما لم تظهر دراسات عن كيفيَّة زيادة الإنتاج ورفع مستوى العيشة، ومشكلة المشاكل توفير الطعام الرخيص، والمواصلات الرخيصة، والسكن الشَّعبي، وقضايا الأمن الاجتماعي، وتدخل الدولة في الحركة الاقتصاديَّة، ومجابهة قانون السوق – العرض والطلب – وتحقيق الاندماج الاجتماعي، ومحاربة الحاجة والفقر، واكتفى الخطاب الإسلامي بترديد مقولة إنَّ النهضة لا بد لها من محفِّز، ومحفِّزها إما أن يكون الإسلام أو غيره، وقد أبانوا استحالة غير ذلك، ولكنهم لم يؤصِّلوا دور المحفِّز الإسلامي في قضايا العمل الاقتصادي والإنتاجي."(26) ثم يمضي حسن مكي معدِّداً إخفاقات الحركة الإسلاميَّة في مجال الدستور قائلاً: "(فقد) درج الإسلاميُّون على تأصيل – تلفيق – عناصر منتزعة من الفكر السياسي الغربي والإسلامي في أطروحاتهم ودساتيرهم، وسجَّلوا نجاحاً في التأصيل لفكرة الدستور الإسلامي، ولكنهم انتبهوا إلى المسافة الواقعة بين إقرار الشكل الدستوري والترجمة الحقيقيَّة لهذا الدستور، أو قل سريان روح الإسلام داخل أجهزة الدولة ومعاملاتها، لأنَّ الدولة العلمانيَّة لا تتعبَّد وصُمِّمت على هذه الوتيرة، ولا يكفي الإعلان الدستوري لجعلها دولة عابدة، مما أثار قضيَّة شوكة الدولة العلمانيَّة "المؤسسة العسكريَّة"، وكيفيَّة أسلمة هذه المؤسسة كمدخل لإسلام بقيَّة أجهزة الدولة."(27)  إذ بدا هذا التلفيق جليَّاً في خطابها السياسي، وذهبوا إلى مزاوجة غير توفيقيَّة لمفاهيم تنتمي للدَّولة الحديثة مع مفاهيم منظومة الخلافة الإسلاميَّة، مثل "الشورى الدستوريَّة"، كما لو أنَّهم يريدون القول تماماً ب"الديمقراطيَّة الدستوريَّة".

ويعترف حسن مكي أنَّما "أدَّت ظاهرة الاغتراب إلى دول الخليج ودخول عدد من العناصر الإسلاميَّة إلى دنيا التجارة والمال والأعمال إلى ظهور فئة الإسلاميين الأثرياء، كما أصبح غالبيَّة متعلِّمي الأخوان في عداد الطبقة الوسطى بمستواها المعيشي المميَّز وإمكانياتها الماديَّة، مما أضعف الاتصال النفسي والفكري بالجماهير (...)."(28)  هكذا "صار الخطاب الإسلامي "تطبيق الشريعة" لا يرد أحياناً في إطاره "محاربة الفقر والحاجة، محاربة العطالة، رفع مستوى المعيشة، الاهتمام بأوضاع العاملين، وإصلاح المناهج والمرافق."(29)  ولم تخل برامج الحركة الإسلاميَّة من مفارقات ونفاق سياسي، "ففي العام 1978م اقترحت ورقة اقتصاديَّة أجازتها أجهزة التنظيم أن تتبنى الحركة الإسلاميَّة ألا تتجاوز نسبة أعلى راتب إلى أدنى راتب في الدولة ومؤسساتها نسبة 8 : 1، ولكن حينا قيَّض الله سبحانه وتعالى لرئيس هذه اللجنة أن يصبح مديراً لأحد المؤسسات الإسلاميَّة التي كانت في طور التشكل والتنظيم، فإذا بمقترحات مؤسسته لنظام أجورها تقفز كثيراً عن تصور لجنته مما استدعى تعديل ذلك التصور."(30) 

حينما انخرطت الحركة الإسلاميَّة في المصالحة الوطنيَّة مع النظام المايوي العام 1977م كانت لهم خطة طموحة في كيفيَّة التغلغل في مؤسسات الدَّولة وأجهزة الحكم، مثل القوات النظاميَّة (الجَّيش والشرطة والسُّجون والمطافئ وقوات حرس الصيد) والنظام الاقتصادي والقضائي والقطاع الطلابي، وشرعوا في تكوين جهاز أمنهم الخاص أسوة ب"النظام الخاص" – أي جهاز أمن الإخوان المسلمين في مصر.  وكان من مهام هذا الجهاز جمع المعلومات عن معارضي الحركة الإسلاميَّة في الأحزاب السياسيَّة الأخرى وتحليلها وتخزينها، ثمَّ استخدامها وقتما اقتضت الضرورة، وكذلك أُنيط بهذا الجهاز مسؤوليَّة حماية قيادات الحركة الإسلاميَّة، والقيام ببعض الأعمال التخريبيَّة، كحرق مكاتب توتو كورة في الخرطوم وغيرها.  هذا على النطاق المحلي، أما على النطاق الإقليمي فقد تناصر أعضاء الحركة الإسلاميَّة في المملكة العربيَّة السَّعوديَّة ودول الخليج فيما بينهم، وتقلَّدوا وظائف رفيعة أصبحت تدر لهم أموالاً طائلة لأسرهم وللحركة الإسلاميَّة، وأمسى هؤلاء فيما بعد رجال المال والأعمال في الحركة الإسلاميَّة.  أما على النطاق الدَّولي، فقد ابتعثت الحركة الإسلاميَّة أعضاءها للدراسات العليا في دول أوربا وكندا والولايات المتحدة الأمريكيَّة، حيث أوفدت حوالي 300 عضواً من خريجيها لدراسة الإعلام في الولايات المتحدة الأمريكيَّة، وقد ظهر هذا المجهود التأهيلي في الصحف الموالية للحركة الإسلاميَّة – وهي كانت كثر – إبَّان الديمقراطيَّة الثالثة (1985-1989م).  وهنا ندرك أنَّ الحركة الإسلاميَّة قد بزع وعيها السياسي بقوة بعد المصالحة الوطنيَّة، مما تعتبر هذه المصالحة حقبة واضحة المعالم في حد ذاتها.  لكن يظل السؤال المطروح هو إلى أي مدى كان يعلم النظام المايوي حجم هذا النشط الإسلاموي؟  وهل كان أمن النظام يقلِّل من دور "الإخوان" في رسم سياسة البلد عاجلاً أو آجلاً؟  ثم ماذا كانت الأحزاب السياسيَّة الأخرى – يمينيَّة أم يساريَّة، جهويَّة أم جماعة ضغط – فاعلة لتحييد هذا النمو الإسلاموي في الحياة العامة في السُّودان؟  لم يكن قادة السُّودان – في الحكم أو المعارضة – في عجلة من أمرهم لتشخيص الداء قبل استفحاله ويمسي عصي الاستئصال.  وحين بدأ الناس وأعضاء الاتحاد الاشتراكي السُّوداني غير الإسلامويين يتململون، وشرعوا ينحنون همزاً ولمزاً من تغلغل الحركة الإسلاميَّة في جسد الدولة، وأمست تنخر في عظامه، اضطرَّ نميري أن يطلق تصريحاته المثيرة للجدل وهي: "لا قدامى ولا قادمون، هناك وطن ومواطنون"، و"الذئاب لبسوا جلود الحملان" في إشارة مستورة إلى تمسكن "فقهاء السلطان" من الإخوان المسلمين قبيل التمكين، وممارستهم للنفاق لمصالح شخصيَّة، والتدجين من قبل السلطان لمصالح سياسيَّة.

ويكتب حسن مكي عن دور المرأة "في أطار إحكام حركة التوجه الحضاري للسُّودان" قائلاً: "تُعرف توجهات المجتمع بمركز المرأة فيها، (لأنَّ) وضعيَّة المرأة في أي مجتمع تشير إلى توجه هذا المجتمع ونوعيَّة عقليته علمانيَّة أم إسلاميَّة، وحيث تتجه حركة تقدم المرأة في اتجاه المجتمع المفتوح الذي تتفشى فيه العقليَّة التجاريَّة وقانون السوق تصبح المرأة أداة للمتعة والترويج التجاري والإعلاني."(31)  هذا والله استباق الحديث للأحداث وإسقاطات، بل انحراف فكري برمي "المرأة" بأنَّها أصبحت أداة "للمتعة" في المجتمع المفتوح "أو المقفول" كما هو الحال في المجتمعات الدينيَّة.  أليس ﻟحسن مكي هموم تخص أمور العباد غير التفكير في محاسن المرأة التي تظهر على الإعلانات التجاريَّة والتي تُثير اللعاب الجنسي؟ ثم ماذا هو قائل لنتائج المسح الذي طال قطاع الطلاب في الخرطوم من حالات المعاناة الحقيقيَّة، حيث أوردت نتائج هذا المسح الذي أُجري على "الطالبات الجامعيات (فوُجِد) أنَّ 12% تركن الدراسة لأسباب اقتصاديَّة، وتعتمد بعض الطالبات على بيع ملابسهن والهدايا لتأمين مصروفات الإعاشة، وتعاني 10% (منهن) من سوء التَّغذية، كما اندفع البعض نحو الانحراف الخلقي."(32)  هذا بالضبط والربط ما جرى ويجري في عاصمة حسن مكي الإسلاميَّة، ولكنه يغض الطرف عما يدور بمحيطه ويطاول النظر إلى عالم آخر.  وهنا تستحضرني الذاكرة في حديث رواه لنا أخ صادق قدم من السُّودان، حيث روي لنا الصديق الصدوق أنَّه سمع أنَّ رجلاً كان في بطن المدينة لقضاء بعض حوائجه.  وإنَّه لفي تجواله هذا شاهد ابنة أحد أعلام الحي ممن كان يُشار إليه بالبنان وهي تمارس البغاء.  فجاء الرجل مهللاً مكبِّراً مخبراً أباها عما رأت عيناه.  تُرى ماذا كان رد الأب؟  قال: من الأفضل لها وللأسرة أن تمارس هذه المهنة حتى تعول الأسرة وتصرف على إخوتها لمواصلة تعليمهن؛ وإنَّ في التفريط في إحداهن أو التضحية بها لكي تقوم بما تقوم به لخير من التضحية بهن كلهن.  قال الوالد – أبو البنات – هذا وهو حيران كاسف البال، حيث حدث هذا – وحق السماء – في "دولة الشريعة السمحاء"!  ولنا في هذا الجلل الذي أصاب السُّودان شهادة مؤمنة شابة - سامية سيف الدين عبد الرحمن، وهل يمكن حجب اسمها - استصرخت بلغة مؤلمة ولاة أمر المسلمين في سودان الإسلام بالقيام والوقوف لدرء ظاهرة الفتيات المراهقات اللاتي طال تسكعهن في شوارع الخرطوم؛ وبصفة خاصة شوارع الأحياء "الراقية"، مثل الطائف والرياض والمنشيَّة والمعمورة - ونزيد في قولها: معاقل سحرة القوم المُضلِلين - ولدراسة المسائل الأخلاقيَّة والاجتماعية، وزيادة معدلات انتشار مرض الايدز.  ولا نُخطئ الهدف إن قلنا إنَّ الطالبات هجرنَ جلابيبهن لأنَّ الحركة الإسلاميَّة في شكل نظام "الإنقاذ" قد فشلت في توفير سبل كسب العيش الكريم لغالبيَّة أهل السُّودان، فانتشرت الفاحشة، واتسعت الفاقة، وتفشَّت الأوبئة، واتَّبع بعض الناس أسلوب الحياة غير الشريفة، في حين ينفق النظام المال العام في الفساد السياسي، وشراء الذمم، والثراء الحرام، والحروب الأهليَّة، فضلاً عن الاختلاسات وغيرها.  بيد أنَّ "المأساة في كل هذا هي ربط الفساد بالأجندة الإسلاميَّة لدي الرأي العام، وهي قناعة يعزِّزها سكوت الإسلاميين عن الفساد وغيابهم عن ساحة المواجهة معه، مع ولوغ الكثيرين من المحسوبين على التيار الإسلامي في أوحاله، بحيث لم يتنزَّه عن ذلك إلا من عصم ربك أو من حُرِم وهو راغب (...) (وثمة مشكل جارف) من تحالف مريب بين قيادات الإسلاميين ورجال المال والأعمال (...)".(33) 



الحركة الإسلاميَّة والمؤسسة العسكريَّة: نزع الأقنعة

إنَّ قوة دفاع السُّودان – أي النواة العسكريَّة للجَّيش السُّوداني – قد تم إنشاؤها في الفاتح من كانون الثاني (يناير) 1925م، بعد أحداث حركة اللواء الأبيض العام 1924م، وعلى أساس إقليمي (Territorial army)، وليس قبلي كما أورده حسن مكي وكتَّاب كثر.  كما لم تكن هناك تنقلات دوريَّة لوحداتها.  وقد كان يتم تجنيد الأفراد وتمركزهم في المناطق التي يقطنون فيها، ولم تكن تُصرف لهم الرواتب في بادئ الأمر، أي كانوا جنوداً شبه متطوعِّين، إلا من إعانات في شكل مواد غذائيَّة في حال استدعائهم للواجب الوطني، وكانوا ينتهجون حرف المناطق التي هم فيها يقطنون كغيرهم من ساكني الديار في سبيل كسب العيش لأنفسهم وعائلاتهم، كالزراعة مثلاً.  وهكذا تمَّ تقسيم الوحدات العسكريَّة إلى خمس مناطق عسكريَّة: المنطقة الشرقيَّة في كسلا لسلاح المشاة، المنطقة الوسطي في كردفان (الأبيض) لسلاح الهجانة، المنطقة الغربيَّة في دارفور لسرايا من الخيالة، المنطقة الاستوائيَّة منذ العام 1917م (توريت)، وقوة من الخيالة في شندي والمهندسين في أم درمان.(34)  فقد اشتغل الجَّيش السُّوداني بالسياسة باكراً منذ أحداث حركة اللواء الأبيض.  وفي العام 1952م، بعد توقيع اتفاقيَّة الحكم الذاتي لتقرير مصير السُّودان، طلب المصريُّون من السُّودانيين العمل على وحدة وادي النيل تحت التاج المصري.  إذ أحدث هذا الطلب المصري انقساماً في المؤسسة العسكريَّة؛ فقد تقبَّل بعض الضباط هذا الاقتراح المصري قبولاً حسناً، بينما اعترض البعض الآخر على ذلك اعتراضاً شديداً.  ثمَّ كان هناك توغُّل مصري سري في الجَّيش السُّوداني، وما تنظيم الضباط الأحرار إلا واحداً من نشاطات هذا العمل السياسي وسط الجَّيش السُّوداني.  وفي العام 1966م ظهر منشور وسط الجَّيش باسم "جبهة الجَّيش والضباط" تتحدث عن الحرب الأهليَّة في جنوب السُّودان بأنَّها معركة ضد الإمبرياليَّة، ونسب المنشور المذكور مذابح المدنيين في جوبا وواو إلى فقدان "الدوافع الإيجابيَّة" للقتال، وتفشي روح الإحباط وسطهم.  ثمَّ كانت هناك "الجبهة القوميَّة" وهي تنظيم تعاون في إنشائه الرائد (المرحوم) فاروق عثمان حمد الله مع بعض أبناء إقليم غرب السُّودان بهدف سحب البساط من الأحزاب السُّودانيَّة كحزبي الأمة والاتحادي الديمقراطي، وكانت قضيَّة التظلم الإقليمي وشعور أبناء أقاليم السُّودان، وبخاصة غرب السُّودان، أنَّ المقاومة المسلَّحة أتت للجنوب باهتمام، وأنَّ الصمت على الأحوال لا يجدي؛ وهذه الفكرة كانت أساس التعاون بين المقدَّم (المرحوم) حسن حسين عثمان وبين "الجَّبهة القوميَّة".  هذا هو وضع القوات المسلَّحة السُّودانيَّ التي أمست تعج بالتنظيمات السياسيَّة السريَّة، وباتت تشارك في انقلابات عسكريَّة بين الفينة وأخرى.

وكان من ضمن نشاطات الجبهة الوطنيَّة محاولات لدراسة الوضع الداخلي في الجَّيش السُّوداني.  وقد جاءت الدراسة من محصلة المعلومات التي أدلى بها العميد (م) محمد نور سعد في 12 نقطة، برغم من أنَّ الكاتب المؤلِّف حسن مكي لم يخبرنا ما إذا كانت هذه النقاط تلخيصاً منه أم صورة طبق الأصل من تقرير العميد الراحل.  مهما يكن من الأمر، فقد ورد في هذه النقاط أنَّ "سياسات الحكومة المركزيَّة، وإهمالها للأقاليم المتخلِّفة الأخرى (مثل) دارفور وجبال النُّوبة .. إلخ، وانعكاس هذا على الجنود القادمين من هذه المناطق، (قد) جعلهم بؤرة لنشاط الحركات العنصريَّة".  فإذا وثب أبناء هذه الأقاليم المهملة سعياً لعلاج هذا الإهمال وانتزاع حقوقهم المسلوبة فأين النشاط العنصري في ذلك، ولا يمكن أن يستقيم المنطق في نعت أيَّة حركة من هذا القبيل بأنَّها عنصريَّة.  ألم تر كيف ملأ علينا حسن مكي الدنيا بكتاباته ضجيجاً وعجيجاً، وهو يتحدَّث عن الأغيار وكأنَّهم ليس لهم استحقاقاً للحياة الكريمة، أو استئهالاً للعدالة الاجتماعيَّة.

وفي هذا الجزء من الكتاب أفاض حسن مكي - أيَّما الإفاضة - في إبراز فكر الحركة الإسلاميَّة حول المؤسسة العسكريَّة.  فقد عزا حسن مكي علة ما يحدث في المؤسسة العسكريَّة من انتماءات الجنود للمناطق والأقاليم المتخلِّفة، وإعاقة التَّجانس والتفاهم، وانتماءات الضباط للسُّودان الوسيط، والتغلغل الأجنبي (أمريكي وبريطاني) بواسطة التَّدريب والمنح، والولاء الشكلي في الجيش، والانقلابات العسكريَّة المتعاقبة، وظاهرة التمرُّد في جنوب السُّودان إلى "غياب البعد الفكري في العسكريَّة السُّودانيَّة، التي لم تقم على أساس عقائدي في تأريخها، على عكس الجيوش الأوربيَّة وغيرها التي ارتكز قيامها على معطيات فكريَّة واضحة تنزَّلت في المسيحيَّة والقوميَّة والعلمانيَّة (...)."(35)  يواصل حسن مكي تناقضاته ذاكراً قيام الجيوش الأوربيَّة على المسيحيَّة والقوميَّة والعلمانيَّة ليقول إنَّ من عيوب الجَّيش السُّوداني أنَّه قام "على أساس أنَّه جيش علماني، تقوم فكرته على الفناء في شخصيَّة الدَّولة، وحماية التراب، وطاعة الرتبة الأعلى، والقتال الآلي القائم على مسخ الانتماء العقائدي والفكري، باعتبار الولاء لفكرة العسكريَّة كمهارة مدفوعة الثَّمن، وحلَّت في هذا الجَّيش آليَّة الوظيفة العسكريَّة محل قيم الجهاد ونصرة الإسلام، وبسط الشَّريعة؛ لقد دُمِّر الجَّيش العقائدي ليحل محلَّه الجَّيش الوظيفي".(36)  فلا نظن أنَّ الجَّيش العقائدي – أي جيوش الدولة المهديَّة (1885-1898م)، التي يشير إليها حسن مكي – كان يحارب من دون أجر، برغم من اتخاذهم الإسلام شعاراً لهم، وكان لهم نصيباً معلوماً من أموال بيت المال في أم درمان، أو البقعة، حاضرة الدولة المهديَّة.  وبرغم من ذلك فقد نجح المهدي "في إدارة الثَّورة وفن الوصول واستلام السُّلطة، وكان مدخله للتجديد (نصرة الدين أو إقامة الدين)، ولكن تمَّ اختصار المشروع في طرد الترك (والمصريين) والقضاء على غردون (باشا) ثمَّ ماذا؟  حيث أكلت الحروب الأهليَّة باسم الدين البلد إلى أن استلمها الإنكليز (والمصريُّون) العام 1898م."(37)  وإذا كانت الحركة الإسلاميَّة في السُّودان قد ارتأت أن يكون الجَّيش السُّوداني قواتاً عقائديَّة تحارب بدون أجر مدفوع عند نهاية كل شهر أفرنجي وليس الشهر العربي، فلم صُرفت – وما تزال تُصرَف – لهم أموال الدولة في حروبها الطويلة في جنوب السُّودان وجبال النُّوبة والنيل الأزرق وشرق السُّودان، والآن في دارفور.  ما يكتبه حسن مكي من حتميَّة عقائدية وجاهزيَّة القوات المسلحة السُّودانيَّة للجهاد لهو عين قصر النظر وبُعد الفكر.  إذ يُفيد في هذا الجانب الانتباه أن الجَّيش السُّوداني الذي حارب الحروب الأهليَّة لم يكن عقائدياً بل مجبراً مهووساً باسم الدين.  فإنَّ في هذا الجيش المسلم والمسيحي ومعتنق الأديان الإفريقيَّة؛ فأين موقع أولئك وهؤلاء من الجهاد!

لا ريب في أنَّ الحركة الإسلاميَّة المتمثِّلة في نظام "الإنقاذ" حين عجزت في تطبيق مبدأ الجهاد عمليَّاً جاءت بالمليشيات العسكريَّة (قوات الدفاع الشَّعبي)، وأرست فيهم مبدأ الحرب الجهاديَّة عديمة الثمن، حتَّى صارت عناصر هذه القوات لصوصاً يسطون على ممتلكات الناس بعد قتلهم أو حرقهم أو اعتقالهم، ويعيشون على ما هم منهم يسلبون، ومما يأخذون من حقوق الفقراء والمساكين واليتامى وهم يعلمون.  ألم يكن من الأجدر دفع رواتب لهم بدلاً من تدريب وتخريج لصوص وعتاة النهب المسلَّح؟  فربما كانت هذه القوات هي التي بها ارتفعت أصوات الإسلاميين في مؤتمرات الحركة الإسلاميَّة الأربعة العام 1982م منادية بنبذ "البديل العسكري الرسمي" والاتجاه نحو "البديل الإسلامي الشَّعبي"، والتي كانت صيغة غامضة يومئذٍ.  ونذكر في هذه الأثناء بعضاً من الإخوان المسلمين الذين هرولوا إلى السيِّد إبراهيم منعم منصور – وزير ماليَّة نظام مايو – بعيد إعلان الشَّريعة الإسلاميَّة في السُّودان العام 1983م يطلبون تسديد استحقاقات القوات المسلَّحة.  فما كان من الوزير إلا أن قال لهم أذهبوا وخذوا هذه الاستحقاقات من أموال الزكاة في بيت المال، فهذه هي دولة الإسلام في السُّودان، وكيف لدولة مسلمة تصرف أموالاً ربويَّة لجند الله المخلَصين؛ فخاب السحرة ورجعوا محبطين كاسفي البال إلى حيث أتوا.  قال إبراهيم منعم منصور هذا وكان يعلم يقيناً أنَّ أموال الزكاة هذه غير كافية لتسيير دولاب الدَّولة، وإنَّ النظام المالي والاقتصاد القطري لا يحتملان هذا العبث والخلط في أوراق اللعبة السياسيَّة في هذا العصر الحديث.

مهما يكن من شأن، فقد أقرَّ حسن مكي بأنَّ "إقامة دولة إسلاميَّة تتطلَّب أن تستند هذه الدولة على ركيزة عسكريَّة واقتصاديَّة، وشوكة الدَّولة الإسلاميَّة تقوم على الجَّيش الجهادي، وإقامة الجَّيش الجهادي تتطلَّب تغيير العقليَّة العسكريَّة والنمط العسكري في الجَّيش، وتثقيف عضويَّة الجَّيش وبنائها على أسس الفلسفة القتاليَّة الإسلاميَّة".(38)  هذا ما تبنَّته الحركة الإسلاميَّة في منهاج تعاملها مع المؤسسة العسكريَّة.  فقد قامت بالتغلغل فيها، وتجنيد الضباط وإعطائهم دورات دراسيَّة في المركز الإسلامي الأفريقي (جامعة أفريقيا العالميَّة حاليَّاً)، وابتعاثهم لأداء مناسك الحج والعمرة، وإدخالهم في مجال المال والأعمال حتى شكَّلوا نواة الحركة الإسلاميَّة في الجَّيش؛ فكانوا هم أولئك الفتية الإسلامويين الذين قاموا بالانقلاب العسكري في فجر 30 حزيران (يونيو) 1989م، ومعهم لفيف من مدنييهم المدرَّبين على حمل السلاح.  ومن بعد أمست القوات المسلَّحة مؤسسة إسلاميَّة ترفع شعارات "لا إله إلا الله"، و"الله أكبر"، و"الجهاد في سبيل الله" وغيرها.  على أي، فقد استطاعت الحركة الإسلاميَّة أن تمسك بزمام السُّلطة في الخرطوم، لكنها عجزت عن إلحاق هزيمة ساحقة أو تسديد ضربة قاضية على الحركة الشَّعبيَّة والجَّيش الشَّعبي لتحرير السُّودان (1989-2005م)، وحركة وجيش تحرير السُّودان وجبهة الخلاص الوطني (2003م-؟) في دارفور، برغم من القوة العسكريَّة والاقتصاديَّة التي تملكها دولة الإسلام في السُّودان.

وقد استخدم نظام "الإنقاذ" الهرطقة الدينيَّة بشيء من المبالغة لم نسمع بها في التأريخ الحديث إلا عند جنود الكمونولث والفرنسيين في الجبهة الغربيَّة إبَّان الحرب العالميَّة الأولى (1914-1918م).  فقد ذكر أولئك وهؤلاء بأنَّهم كانوا يتلقَّون دعماً من "ملائكة الحريَّة" من وراء القبور في حومة الحرب وغمراتها.  ففي معركة سوم في الفاتح من تموز (يوليو) 1916م فقد الحلفاء 58,000 جندياً، وهنا برزت قصص الأشباح، وقوي ما وراء الطبيعة، ومعجزات ورؤى وغيرها.  ومن هذه القصص ما يُحكى عن ظهور رفيق في زي أبيض وفي شكل شخص لغزي وهو يعالج الجنود الجرحى أو الذين على وشك الموت، ولم يرهبه وابل الرصاص أو يفزعه أزيز المدافع أو تخيفه القذائف المتفجِّرة.  وكان هذا الشخص اللغزي فيما يبدو إلى بعضهم بعضاً كالمسيح أو مريم العذراء، وإلى البعض الآخر كأنَّه زميله الجندي أو الضابط الذي قُتِل باكراً في مبتدأ الحرب.  وهكذا بدأ معظم الجنود البريطانيين يعتقدون إيماناً بأنَّ رفاقهم الذين سقطوا في المعارك بين عشيَّة وضحاها ما زالوا يحاربون إلى جانبهم في شدة البأس.  ومن إحدى القصص الشَّاذة كان يحكي الجنود أنَّهم رأوا شبح أحد مشاهير لاعبي كرة القدم وهو يلعب بالكرة يمنة ويسرة ويقود الجيوش ميمنة وميسرة لمهاجمة المقاتلين الألمان وهو غير آبه بكثافة نيران بنادقهم.  وفي أحايين أخرى يظهر جيش شبحي كامل من حيث لا يدرون، ويساعدون في أرض المعركة.  وكان أشهرها أسطورة ملائكة مونس (Angels of Mons)، والتي فيها أنقذ القديس جورج والمضيف الملائكي القوات البريطانيَّة من الفناء. 

أيَّاً كان أمرهم، فقد كانت هذه الأساطير تُحظى بقبول وتصديق من قبل جيوش الحلفاء في الجبهة من جهة، وعند المدنيين في بريطانيا من جهة أخرى، وكانت تعتبر عنصراً لرفع الروح المعنويَّة لمن يهمهم الأمر، برغم من أنَّ أغلب الناس كانوا يرون أنَّ أصل هذه القصص يرجع إلى مقطوعة نثريَّة كاتبها آرثر ماشين.  ويقول أحد الضباط الذي شهد معركة نووفي تشابل العام 1915م إنَّه في اللحظة التي فيها أوشك جنوده على الانسحاب سمع صوتاً يناديه من خلفه قائلاً: "إيَّاك والانسحاب!"  ثمَّ شاهد سريَّة من الجند يرتدون زي الكاكي وهم يظهرون فجاءة، وبدأوا يطاردون الجَّيش الألماني الذي أصابه الفزع والهلع.  وكان هذا الشخص اللغزي الذي يقودهم في رتبة الجنرال، وهو كان ضابطاً معروفاً في جيش العدو الذي حاربته في حرب البوير في جنوب أفريقيا.  ثمَّ هناك الجندي جيمس وينتورث دي – الذي أصبح مراسلاً حربيَّاً فيما بعد إبَّان الحرب العالميَّة الثانية (1939-1945م) – وقد ادَّعى أنَّه شاهد معركة شبحيَّة بين سراب من الفرنسيين وخيالة ألمانيَّة في أواخر العام 1918م، وذلك بعد أن توقَّفت العدائيَّات.  وهنا تجدر الإشارة إلى أنَّ الجنود البريطانيين كانوا يتعاملون مع أهوال الحرب بحمل تعويذات الحظ، أو طلاسم خاصة لحمايتهم؛ وكان بعضهم يحتفظون برصاصات، أو بقطع من القذائف التي لم تصبهم؛ وكان آخرون يرقعون أزياءهم العسكريَّة بجلود قطط سوداء؛ ثمَّ هناك من كانوا يحملون ميداليات دينيَّة أو صوراً للقدَّاس.  ومن التعويذة الشَّعبيَّة المعروفة كانت عفريتاً صغيراً ذا عينين تطلقان شرراً، ويُدعى توتشوود.  ومما يقال عن هذا العفريت الصغير المنحوت من شجر البلوط، إنَّه لينتسب إلى نمط قديم من أنماط عبادة الشجر، وهكذا تمَّ بيع واحد مليون قطعة منه في العامين الأولين من الحرب العالميَّة الأولى.  وبما أنَّ الشباب البريطانيين كانوا يموتون بأعداد مذهلة، فلا غرابة إذن إن انتشر مثل هذا النوع من الشعوذة والإيمان القوي بقوى ما وراء الطبيعة في الجبهة الداخليَّة.  وكان شيرلوك هولمز مبتكر آرثر كونان دويل هو أحد مشجعي "الروحيَّة" البارزين، وبخاصة حين فقد بعضاً من عائلته في الحرب.  ثمَّ هناك الطبيب أوليفر لودج، مؤلِّف ريموند – وهو سلسلة الاتصالات الروحيَّة مع ابنه البالغ من العمر 26 عاماً، والذي لقي حتفه في الجَّبهة الغربيَّة – الذي كان أكثر الكتب بيعاً إبَّان الحرب.(39)  لقد تعلَّمت أوربا من حروبها الكبرى فظائع الحرب وكوارثها ومباهج السَّلام وفوائده، فآثرت السَّلام على الحرب في نهاية الأمر.  على أيَّة حال، ففي نهاية الأمر استطاع الحلفاء أن يحقِّقوا نصراً على الألمان وأملوا عليهم شروط الاستسلام القاسية في معاهدة فرساي العام 1919م، مما قادت إلى الحرب العالميَّة الثانية.

كذلك نورد مثالاً آخر يوضح بجلاء لجوء الناَّس إلى الروحانيات عندما تضيق بهم حلقات الوعى.  فقد كتب محمَّد حسنين هيكل: "إنَّه عندما اقتحمت القوات المصريَّة خط برليف في بداية حرب تشرين الأول (أكتوبر) 1973م كان الجنود المصريين الذين قاموا بهذا الاقتحام يهتفون "الله أكبر"؛ وفي ذات الوقت قامت إدارة الشؤون المعنويَّة بالجيش المصري بتوزيع منشورات تؤكِّد لهم أن "أحد الصالحين" رأى في المنام الرسول (ص) وهو يشير ناحية الشرق آخذاً شيخ الأزهر بيده قائلاً له "تعال معاي إلى سيناء"! وأضاف إنه "قُبيل ذلك، قد تأثر أقباط مصر بهذا الجو الروحاني العام، فتدافقوا مع جماهير غفيرة من المسلمين في نيسان (أبريل) 1968م مجتذبين إلى كنيسة العذراء بالزيتون، إحدى أحياء القاهرة، حيث قيل أن طيف العذراء قد ظهر هناك!.(40) 

وفي عهد مضى، أي في الفاتح من تموز (يوليو) 1976م خدعت الجبهة الوطنيَّة مجنديهم باسم الدين ووعد الحق بدخول الجَّنة إن هم أطاحوا بنظام الرئيس جعفر محمَّد نميري.  ففي هذه الغزوة البلهاء، وزعوا على من عُرفوا ب"المرتزقة" يومئذٍ "مفاتيح" باب الجَّنة.  هذه هي ظواهر ومظاهر الاختلال وعدم الاتزان عند الذين ينادون بتديين المؤسسات العسكريَّة لحماية رسالات الله في الأرض.  وفي عهد البشير "الإنقاذي" "أفرغ الإسلاموعروبيون مصادرهم الماديَّة والدينيَّة في استقطاب النشء لخوض حرب دينيَّة غبيَّة على الجَّنوب، جِّبال النُّوبة وجَّنوب النيل الأزرق بالإيحاء للإيفاع أنَّ قرود الغابة تتصدر الصفوف الأماميَّة للمجاهدين لإزالة الألغام، وقال المهرجون المهووسين منهم إنَّهم سمعوا الملائكة يقرأون سورة يسن لحماية المجاهدين."(41)  إنَّ الشعوذة الفارغة هذه من أهل "الإنقاذ" دفعت بآلاف الشباب أن يندفعوا إلى الصفوف الأماميَّة دون بصيرة أو تبصر لما يحيق بهم من مصير غير مقدَّر فحُصدوا حصاداً بنيران الجَّيش الشعبي الذي يتبع للحركة الشَّعبيَّة لتحرير السُّودان في وقت كانت فيه الأخطار تفقأ العيون.  هذا من إنتاج فكر يخدِّر الجموع ويحوِّلهم إلى قطيع أغنام ينصت إلى الزعيم ومساعديه كالمنوَّم مغنطيسيَّاً؛ ويتألَّق هذا الزعيم الساحر المشعوذ في مجال السيطرة على الناس ودفعهم إلى فعل ما يريده منهم وهم منوَّمون مغنطيسيَّاً، حتى صاروا مستعدين ليس فقط للتضحية بالآخرين وللانقضاض على الخصوم إن طلب منهم زعيمهم الساحر فعل مثل هذا الأمر، بل هم مستعدون للتضحية بأنفسهم أيضاً.  وهكذا خُدِع نفس الشباب وبنفس الرهط "الإنقاذي" لخوض الحرب بإثارة الشهوة فيهم بلقاء الحور العين وتزويجهم إياهن إن هم استشهدوا.  اللهم لا شماتة، فقد كانت النتيجة أن ازدحمت بيوت السُّودانيين باحتفالات "عرس الشهيد" احتفاءاً بفناء أولئك الفتية في الجَّنوب وجِّبال النُّوبة وجنوب النيل الأزرق.  مهما يكن من شيء، فلم تفلح هذه القصص عن بنات الحور في جنات الفردوس، والقرود الكاسحة للألغام، وتكبيرات الأشجار وغيرها في تحقيق نصر حاسم من قبل جند الله "الخرطوميين" ضد الجَّيش الشَّعبي لتحرير السُّودان، وأخيراً جلست الحكومة وهي مكرهة على طاولة المفاوضات والقبول بالحل السياسي.  غير أنَّ ذلك الهوس الديني كله لم يتمكَّن من أن يخفي قلقاً كبيراً راح يستبد بهؤلاء الشباب.  وبعد هذه الأرواح التي ذهبت في محرقة الحرب الأهليَّة، يخرج علينا العرَّاف السَّابق لنظام "الإنقاذ" – الدكتور حسن عبد الله الترابي – مصرحاً علانيَّة أنَّ الشباب الذين لقوا حتفهم في أدغال الجنوب لم يكونوا شهداءاً عند ربِّهم يرزقون، بل ضحايا حرب أهليَّة لم تبق ولم تذر.  تلك هي حال الفتيان الذين اقتيدوا إلى الحروب والمجازر وهم في عمر الزهور، وشاهدوا الأهوال بأم أعينهم، شاهدوا رفاقاً يُقتلون بالمئات، بل هم أيضاً قتلوا بأيديهم.  ومن استطاع العودة منه أحياءاً كانت أسرهم تريد منهم – وما زالوا نظريَّاً في سن الدراسة – أن يستعيدوا صفوفهم ومقاعدهم الدراسيَّة ليستأنفوا ما كان، وكأنَّ شيئاً لم يكن، وعليهم أن يجلسوا ل"امتحانات المجاهدين"!  فكيف يمكن لمن قتل وشاهد كل ضروب الرعب أن يستعيد براءة صف الدراسة؟  كيف يمكنه استعادة براءة العلاقات العائليَّة، أو حتى العلاقات الرفاقيَّة؟  هذه هي الحالة النفسيَّة التي تفرزها الحرب – أيَّة حرب، ولكن كثراً من الناس لا يعيرون لها اهتماماً.

ويذكر حسن مكي أنَّه "في تشرين الأول (ديسمبر) 1984م تسرَّبت معلومة عن تقرير أعدَّته وكالة الاستخبارات المركزيَّة الأمريكيَّة في 73 صفحة يفيد بأنَّ الجَّيش هو الأداة الوحيدة ذات المقدرة على التغيير، لأنَّ السياسيين تتجاذبهم الولاءات السياسيَّة والعرقيَّة، وحذَّر التقرير من أن تذمُّر صغار الضباط قد يؤدِّي إلى ثورة تضر بمصالح الولايات المتحدة الأمريكيَّة، وأشار التقرير إلى أسماء عدد من الضباط المرشَّحين للقيام بانقلاب عسكري ولم تضم القائمة الفريق عبد الرحمن محمد الحسن سوار الدهب."(42)  وهكذا نرى أنَّ حسن مكي لم يكن صادقاً مع نفسه ولا مع الذين كتب لهم هذا الكتاب، ولا مع الذين لم يرد أن يطَّلعوا على هذا العمل.  فلا ريب في أنَّ الحركة الإسلاميَّة قد اجتمعت وناقشت التقرير باستفاضة، وتناولت الخيارات المتاحة، ووضعت تصوراً سياسيَّاً وعسكريَّاً في كيفيَّة التعامل مع الضباط الذين سماهم التقرير، ومع الذين لم يتعرَّض إليهم التقرير بما فيهم الفريق سوار الدهب.  وقد أسر الدكتور حسن عبد الله الترابي إلى جراهام توماس في الخرطوم في 9 حزيران (يونيو) 1978م أنَّ الإخوان المسلمين يزدادون قوة بعد قوة في كافة مؤسسات الدولة، وأنَّهم استطاعوا أن ينشئوا 14 خليَّة مختلفة في الجَّيش.(43)  إذ "رمزت الجَّبهة القوميَّة الإسلاميَّة ب"السواقين" شيفرة إلى من عُهِد إليهم الإشراف ووصل العضويَّة العسكريَّة المنظَّمة بالتنظيم.  وبعد انقلاب "الإنقاذ" وابتداء صعود نجم اللواء عبد الرحيم محمد حسين فجاءة دون سابق تخطيط، بادر أحد مشرفيه السَّابقين إلى تحذير قيادة الحركة الإسلاميَّة من أنَّ سعادة اللواء لا يملك من المؤهِّلات ما يجعله يصعد هكذا فجاءة، ولم يكن حينها قد صعد غير درج أمين – أي مقرِّر مجلس قيادة الثورة، ولكن هذا الأخ كان يرى ذلك مقاماً كبيراً على سعادة اللواء، وبلغ به الأمر أن يحتدَّ في لغته مع أحد القيادات ويهدِّد بأن يلتزم داره وعمله المهني، ويعتزل الحركة الإسلاميَّة إذا أصرَّت قيادة الحركة على ترفيع سعادة اللواء وهو ما حدث، أي ترفيع اللواء واعتزال الأخ."(44)  بناءاً على هذا "استصحب الإسلاميُّون أنَّ بناء شوكة يتم بتدريب عدد محدود من الإسلاميين على المعارف العسكريَّة، وكذلك عن طريق التغلغل التدريجي في المؤسسة العسكريَّة عسى أن يقود الترسب التراكمي لتغيير نوعي في حركة المؤسسة العسكريَّة على المدى البعيد، أو يؤدِّي ذلك لنضوج الشروط الموضوعيَّة للتغيير الإسلامي."(45)  بيد أنَّ حسن مكي يعترف ببعض مسالب الاعتماد على الجَّيش في التغيير؛ إذ يقول: "إنَّ التعويل في التغيير على المؤسسة العسكريَّة سيضع السلطة في أيدي العسكريين، الذي سيكونون منازعين بين ولائهم للمؤسسة التي أنجبتهم والتي تحميهم وتدافع عنهم والحركة الإسلاميَّة التي تريد أن تقودهم في اتجاه تجذير المشروع الإسلامي، وإذا ما اصطدم الولاءان فإنَّ الغلبة قد تسير في ركاب المؤسسة العسكريَّة التي تبحث عن امتيازاتها وتحركها مصالحها، مما قد يعرض المشروع الإسلامي لنكسة خطيرة، وقد لا يستطيع العسكريُّون في ظروف الاستقطاب الإبحار عكس تيار مؤسستهم إلى عصبيَّة جديدة قد لا تقوى على مجابهة المؤسسة كمؤسسة."(46)  والتغيير الذي يتم بواسطة المؤسسة العسكريَّة كأداة فنيَّة لتنفيذ التغيير يحتاج في نهاية الأمر إلى تكامل سياسي واقتصادي واجتماعي لتتويج تسلُّم السُّلطة السياسيَّة، والتكييف الخارجي والإقليمي، ومقدرته على تحييد القوى الداخليَّة (الأحزاب السياسيَّة والنقابات المهنيَّة والتجمعات الجهويَّة والطلاب وغيرهم).  إذن، حسن مكي يقف موقف المحتار الذي تشابهت عليه الألوان، مما جعله يتقمَّص ألواناً زائفة خادعة، فلا هو مع التغيير الذي يتم بواسطة المؤسسة العسكريَّة ولا ضدها علناً جهاراً، كما هو واضح في تصريحاته الإفتائيَّة المتذبذبة.

هذه الحوادث والحديث عنها يجعلنا نجر عجلة الذاكرة للوراء برهة، لا رغبة منا لإثارة الفتنة، ولكن لإجلاء بعضاً من صور النفاق والالتصاص السياسي الإسلاموي، ولكيما يدرك الشَّعب السُّوداني أنَّ الانتفاضة الأبريليَّة للعام 1985م قد سُّرقت من قبل لصوص الثورات حتى قبل الإعداد لها، وعلى الذين تردَّدوا ولم يكونوا على بيِّنة من أمرهم عليهم أن يدركوا هذا الأمر الآن.  فالفريق سوار الدهب الذي خدع الشعب السُّوداني وخادع نفسه بأنَّه مستقل، ما لبث أن استخدم المجلس العسكري كحصان طروادة وأتي بالدكتور الجزولي دفع الله من نقابة الأطباء رئيساً لمجلس الوزراء ضد منافسه ميرغني النصري في نقابة المحامين، مع العلم أنَّ كل من الدكتور الجزولي دفع الله، والدكتور حسين سليمان أبو صالح، والدكتور مجذوب الخليفة كانوا من قياديي الحركة الإسلاميَّة في نقابة الأطباء.  وما ظهور الدكتور حسين سليمان أبو صالح وزيراً للصحة والرعاية الاجتماعيَّة في الحكومة الانتقاليَّة، ووزيراً في نفس الوزارة في حكومة السيِّد الصَّادق المهدي الأولى والثانية، ووزيراً للخارجيَّة في حكومة السيِّد الصَّادق المهدي الثالثة إلا "غواصة إسلاميَّة"، حيث أظهر لونه الحقيقي في حكومة "الإنقاذ" الأولى.  وقد برعت الحركة الإسلاميَّة في إجادة "سياسة التغويص"، أي إدخال غواصات بشريَّة (عملاء) في جوف الأحزاب السياسيَّة الأخرى بغرض التجسُّس وتسيير الحزب المستهدف وفق رؤى الحركة الإسلاميَّة؟  فهل كانت هناك "غواصات إسلاميَّة" في تنظيمات قوى الهامش السُّوداني (اتحاد عام جبال النُّوبة، نهضة دارفور، مؤتمر البجة، حزب سانو وهلمجراً)؟ هذا سؤال متروك للناس عسى أن يتعرَّفوا عليها.



العنصريَّة حين تعشش في مخيَّلة المؤرِّخ

ما الذي يجعل الإنسان عنصريَّاً أثيماً إلى درجة كراهيَّة الأغيار بدون سبب عقلاني، وقد يمتد هذا المقت إلى التَّكذُّب أو التكذيب عليهم، أو إلحاق التُّهم ضدهم جزافاً، أو التجني عليهم وتوقيع عقوبة فرديَّة أو جمعيَّة عليهم أو قتلهم خارج نطاق القضاء؟  هذه أسئلة بدت تدور في مخيلتنا منذ الأزل، مما دفعنا إلى الولوج في أمهات المراجع لندرك كنه هذه العنصريَّة.  فالعنصريَّة نظام اعتقادي أو مذهبي يزعم أنصارها بوجود ثمة فوارق أحيائيَّة بين الأعراق الإنسانيَّة، بحيث تقرِّر أي إنجاز ثقافي أو فردي.  إذ أنَّ هناك كتَّاب يرجعون العنصريَّة إلى جماعتهم الإثنيَّة التي إليها ينتمون (المركزيَّة الإثنيَّة)، وتنعكس عنصريَّة البعض الآخر في كراهيَّة الأجانب (رُهاب الأجانب)، وتتمظهر عنصريَّة البعض الآخر في آرائهم ضد تداخل العلاقات العرقيَّة (تمازج الأجناس من طريق التزاوج)، أو في إبراز صور عقليَّة يشترك في حملها أفراد جماعة ما وتمثِّل رأياً مبسَّطاً إلى حد الإفراط المشوِّه أو موقفاً عاطفيَّاً (من شخص أو عرق أو قضيَّة أو حادثة).  ولكيما نستوعب العنصريَّة علينا أن نفكِّر فيم يعني أن يكون الشخص متحاملاً أو متحيِّزاً؟  إذ أنَّ التَّحامل هو حمل مزاعم دونما حقائق، أو التشبث بهذه الدعاوي حتى بعد ثبوت بطلانها، أي بصورة أخرى التدثُّر بالجهل الكامل.  العنصريَّة، إذن، محصلة الشر ضد الإنسانيَّة، وتتواجد في جميع أرجاء العالم، وإنَّ الفكر العنصري هذا لمسؤول عن إبادة أعداداً لا تُحصى من الأنفس البشريَّة، وتدمير الثقافات والبيئات.  ثمَّ إنَّ أسوأ التجاوزات باسم العرق كانت هي عمليات الإبادة ضد الشعوب الأصليَّة في أمريكا، أستراليا، جزر المحيط الهادي، استعباد الأفارقة والهولوكوست (أي إبادة اليهود بواسطة النازيين في ألمانيا الهتلريَّة).  هكذا أمست العنصريَّة عنصراً دافعاً في التمييز الاجتماعي، والتفرقة العنصريَّة وتلقيح العنف الذي يصل حد الإبادة.  وسوف نورد هنا بعضاً من الأمثلة التي بها وصف حسن مكي النُّوبة وغيرهم من أهل الجنوب ودارفور بالعنصريَّة كامتداد للنعوت المسيئة التي أطلقها – وما زالوا يطلقونها – أهل الشمال في الخرطوم ضد البطل علي عبد اللطيف وقادة اللواء الأبيض العام 1924م، حينما حاولوا أن ينقذوا السُّودان من ربقة الاستعمار؛ فما كان لرجال الطوائف الدينيَّة-السياسيَّة من بدّ غير أن تعاونوا مع المستعمر ضد هؤلاء المناضلين الشرفاء، ونعوتهم بعبارات عنصريَّة مقيتة.  إنَّه لمن المعلوم أنَّ العنصريَّة مشكل المؤسسة الاجتماعيَّة المسيطرة، والتي تبيض هذه الأفكار العنصريَّة – أي أنَّها لفظة تنطبق على المجموعة المسيطرة في المجتمع، لأنَّها هي الجماعة التي تمتلك الوسائل لاضطهاد الأغيار.  فهل اضطهد النُّوبة وشعب الجنوب وأقوام دارفور وجنوب النيل الأزرق هل اضطهدوا الشماليين العرب المسلمين، وهم القابضين بزمام السلطة في الخرطوم؟!

ففي سبيل الحديث عن تكوين مجلس وزراء نظام نميري يكتب حسن مكي: "لم تتنبه القيادة الجديدة لأهم ثغرة في (تكوين) مجلس الوزراء والثورة، حيث اختلَّ فيها التوازن العرقي إذ لم يكن هناك تمثيل لأبناء غرب السُّودان وشرقه في المجلسين، مما دفع (العقيد جعفر محمد) نميري لموازنة ذلك بتعيين محمد حسيب، وصلاح عبد العال مبروك."(47)  ذلكم هو صلاح عبد العال مبروك الذي أصبح كبش فداء فيما بعد، وذلك في 16 كانون الثاني (يناير) 1980م حين قام نميري بحل أجهزة التنظيم السياسي في الاتحاد الاشتراكي السُّوداني، وخطب قائلاً: "لن أترك الفساد يتحصَّن بمناطق القيادة".  ولكنه أبقى كبار المفسدين بباطن القيادة، وهم كانوا كُثُراً. ومحمود حسيب - يرحمه الله رحمة واسعة –  استشط غضب الرئيس نميري لأنَّه رفع صوته مع أولئك الوطنيين الذين جاهروا بأصواتهم منادين بضرورة لا مركزيَّة حكم السُّودان، وذلك تحقيقاً للعدالة والمشاركة في السُّلطة والتنميَّة، حتى تزول سقوف الفوارق الاجتماعية تبعاً للتنميَّة المتوازيَّة.  ثم يضيف حسن مكي مفرغاً إساءته المعهودة "ولكن ذلك لم يؤد إلى التوازن المطلوب حيث توالت الحركات العنصريَّة التي شجَّعتها أحياناً الجبهة الوطنيَّة (العميد سعد بحر، العقيد إسماعيل يعقوب، المقدم حسن حسين عثمان، العميد محمد نور سعد، العميد أنس عمر)."(48)  وبرغم من دورهم في انقلاب المقدم حسن حسين عثمان في 5 أيلول (سبتمبر) 1975م وفي تهريب القاضي عبد الرحمن إدريس – أحد محسوبي الحركة الإسلاميَّة من بلدة كالوقي بجبال النُّوبة - من معتقله في زنازين الأمن إلى لندن، مما أدَّى إلى موجة من الاعتقالات الكبيرة وسط الإخوان المسلمين ومحاصرة شاملة لتنظيمهم، عادوا وأطلقوا على الانقلاب صفة "الحركة العنصريَّة".  ويمضي حسن مكي مسترسلاً في سرده السُّريالي ذي أهداف ملتبسة: إنَّ "محاولة العميد أنس عمر الانقلابية في بداية العام 1976م كانت كسابقتها ثلاثيَّة الأبعاد: إسلامي، عنصري، ووطني."(49)  فلا يمكن أن ينطبق هذا على العميد أنس عمر، بيد أنَّنا نعرف عنصريين ادَّعوا الوطنيَّة في بلاد أمريكيَّة وأوربيَّة مثل كو كلكس كلان في الولايات المتحدة الأمريكيَّة والجبهة الوطنيَّة البريطانيَّة، والنازيين الجدد في ألمانيا، وأحزاب اليمين المتطرِّف في كل من فرنسا وهولندا وبلجيكا وغيرها.  أما في السُّودان فالعنصريُّون الوطنيُّون الذين تبنَّوا الإسلام هم جماعة الحركة الإسلاميَّة التي ينتمي إليها حسن مكي نفسه.  وقد أتحف الدكتور شريف حرير الأكاديميين ورجال السياسة بدراسة قيِّمة تناول فيها هذه العنصريَّة المتدثِّرة برداء الإسلام بشيء من التحليل كثير، وبخاصة عما جرى في دارفور في أعقاب محاولة داؤود يحيي بولاد العسكريَّة في هذا الإقليم العام 1992م.(50) ف"داؤد يحيى بولاد"  - للذين لا يعلمون - ليس من مواطني دارفور فحسب، بل كان من قادة الإخوان المسلمين في جامعة الخرطوم، فقد أفنى شبابه في خدمة هذا التنظيم الإسلاموي، وعلَّم أعضاءه الرماية، ولما قويت سواعدهم رموه في العراء.  فقد ثار عليهم لما رأى منهم آيات الظلم الممطر على أهله الفور في دارفور فيما عرف مكراً ب"النهب المسلَّح"، ولمس فيهم الفساد في أنفسهم، وأحس النفاق في بطونهم، فهجرهم هجراً مليَّاً، والتحق بالحركة الشَّعبيَّة والجَّيش الشَّعبي لتحرير السُّودان.

هؤلاء هم أهل دارفور الذين يحلو لحسن مكي أن يحثَّهم على الاستسلام للذل الاجتماعي والإبادة العرقيَّة والهوان والحرمان من التنمية والسلطة والخدمات، والصَّبر على الجرح وإن طال الألم، وفي هذا يقول: "وما يبدو لي أن على أهل دارفور أن يأخذوا شيئاً من تسليم ومسالمة أهلنا الحلفاويين الذين تمَّ تهجيرهم إلى حلفا الجديدة، فهتفوا "حلفا دغيم ولا لبنان"، ولكنهم في النهاية امتثلوا لتخوم خشم القربة على ما فيها من عناء".(51)  وإنَّه لمن سخريَّة الأقدار – والأقدار دوماً ساخرة حينما تسخر – أنَّ العرب في دارفور الذين طالما مُورست ضدهم العنصريَّة في أم درمان إبَّان الدولة المهديَّة (1885-1898م) من قبل أحفاد المهدي الذين ادَّعوا أنَّهم من الأشراف – أولاد البلد – ولهم الحق أن يرثوا المهديَّة، عاد هؤلاء الأعراب وأمسوا حلائف النظام الحاكم في الخرطوم اليوم، فيما بات يُعرف ب"الجنجويد" – أي الجن على ظهر الجياد.  ففي الماضي اعتبر آل المهدي وغيرهم من أبناء البحر الخليفة عبد الله وأهله التعايشة وجميع أهل الغرب من العرب وغير العرب الذين كان لهم الفضل في إقامة الدولة المهديَّة وافدين، وقد أحبط الخليفة عبد الله محاولتهم الانقلابيَّة بفضل تكتيكه العسكري وإستراتيجيته الهجوميَّة ومحاصرتهم وكسر شوكتهم.  ثم جاء النظام "الإنقاذي" وإذا به يجنَّد هؤلاء الأعراب في دارفور – والذين أُسيء لهم من قبل – في مليشيات "الجنجويد"، جنباً إلى جنب مع القوات المسلحة السُّودانيَّة، ليعيثوا في أرض دارفور اغتصاباً للنساء وتقتيلاً للأطفال والشيوخ وكل من لم تسعفه فرصة النجاة من الموت.  هذه هي العقليَّة الإسلاميَّة التي يريدها حسن مكي أن تسود في المؤسسة العسكريَّة السُّودانيَّة، ومن ثَمَّ ينعتها ب"ذات الفكرة العقائديَّة" الإسلاميَّة.

ثمَّ نعود مرة أخرى إلى مايو، فإنَّه لمن المعلوم أنَّ انقلاب مايو جاء بواسطة "تنظيم الضباط الأحرار"، الذي كان يعمل في الخفاء لأكثر من حقبة وسط الجَّيش.  وجل أعضاء الانقلاب هم في الأصل أصدقاء الطفولة من أم درمان، وصقلتهم تجارب مشتركة، ولهم نظرة أحاديَّة لمشكلات السُّودان السياسيَّة والاقتصاديَّة والاجتماعيَّة، وكانت أسماؤهم معلومة لدي العامة من عرب السُّودان في العاصمة.(52)  إذن، أين تمثيل أقاليم السُّودان المختلفة في هذا التكوين الانقلابي؟  ولماذا لم يُنعتوا بالعنصريَّة؟ وبرغم من هذا كله يمضي حسن مكي ويسرد: "وفي آذار (مارس) 1979م أعلنت الحكومة عن كشفها عن محاولة لقلب نظام الحكم، اشترك فيها ثلاثة وعشرون عسكريَّاً وستة من الشرطة، ودمغت المحاولة كغيرها بتهمة العنصريَّة."(53)  وفي صفحة من صفحات الكتاب تطرَّق حسن مكي لانعقاد مكتب الإخوان (المسلمين) بطرابلس – حاضرة ليبيا – لتقييم المصالحة العام 1977م، إذ "تحفَّظ المكتب على قبول المصالحة لكثرة القوى الحانقة على نظام نميري، وشدَّد المكتب على ضرورة مواصلة بناء الشوكة العسكريَّة، نسبة لأنَّ هناك قوى سياسيَّة شديدة البأس في معارضتها للإسلام مقبلة على التدريب العسكري كالجنوبيين في كينيا وأثيوبيا، وكذلك تنظيمات أبناء الغرب وجبال النُّوبة العنصريَّة".(54)  ثم يمضي حسن مكي مستهوياً هذه الإساءة العرقيَّة فيقول: "وقد شارك في (معسكرات) التدريب (بليبيا) أنماط مختلفة من السُّودانيين: يساريين، اتحاديين، عنصريين، إسلاميين غير ملتزمين لتنظيم بعينه (...)".(55)  ويتحامل حسن مكي على طائفة الأنصار في السُّودان، ويقول: "أما الحركة الأنصاريَّة فتوشك أن تتداعى منتهية حتى كمؤسسة اجتماعيَّة دينيَّة، حيث ما عاد يقوم عليها إمام وبيعة، مما أدَّى إلى تذويبها في حركة حزب الأمة السياسيَّة، الذي أصبح منبراً لكيانات عنصريَّة وعلمانيَّة وتحديثيَّة، وضاع إيقاع الدعوة الأنصاريَّة وسط تضارب مصالح القوى التي تسيطر على الحزب."(56)

ومن يشير إليهم حسن مكي ب"العنصريين" بين الفينة وأخرى وفي ثنايا الكتاب هم مواطني جبال النُّوبة والأقوام الآخرين من أهل السُّودان الأصليين.  فقد انتظم أولئك وهؤلاء قبيل انقلاب نميري العام 1969م في تنظيم سياسي باسم "جبهة التحرير السُّودانيَّة الأفريقيَّة المتحدة" تحت زعامة الأب فيليب عباس غبوش.  وقد ضم هذا التنظيم الوليد – الذي رأى النور في نيسان (أبريل) 1969م – خمسة تنظيمات متباينة، ولها خلايا مدنيَّة عسكريَّة، حيث خطط هذا التنظيم، كغيره من التنظيمات السياسيَّة والعسكريَّة التي يعج بها المجتمع السُّوداني والمؤسسة العسكريَّة، انقلاباً عسكريَّاً ضد حكومة محمد أحمد محجوب في 29 أيار (مايو) 1969م، إلا أنَّ العقيد جعفر محمد نميري قد سبقهم على صهوة "حركة الضباط الأحرار" في صبيحة 25 أيار (مايو) 1969م.  ثمَّ كان هناك تخطيط لعمل انقلابي آخر في 18 تموز (يوليو) 1969م، ولكنه لم يُنفَّذ، وخرج الأب غبوش من السُّودان في يوم 16 تموز (يوليو) 1969م قبل أن يداهمه جند الحكومة بغرض الاعتقال. 

وفي جلسة جمعت ميرغني إدريس جابر – نائب أمين الإعلام والاتصال في الحزب القومي السُّوداني المتحد – مع الأب فيليب عباس غبوش في منزل الأخير في أم درمان في آذار (مارس) 2007م، يقول الأب غبوش: "كثير من الناس يخلطون ما بين "إتحاد عام جبال النُّوبة" و"جبهة إتحاد عام أبناء جبال النُّوبة"، حيث أنَّ إتحاد عام جبال النوبة كان قد تم تكوينه في الخرطوم بواسطة المثقفين من أبناء النوبة وكان في مقدمتهم كافي الأحمر، عبد الله (من أبناء قبيلة كتلا، حيث لا يذكر اسمه بالكامل)، عطرون عطية (القيادي الآن بالحزب القومي السوداني المتحد)، الدكتور مصطفي كليدا وحسين خرطوم دارفور، وقد كان الإتحاد عبارة عن تجميع للروابط القبلية الاجتماعية لتحقيق أهداف سياسية، وكان من أهم أهداف الإتحاد تحديد حدود جبال النُّوبة، وتحديد ملكية الأراضي لتكون للمجتمع المحلي بدلاً من الحكومة كما كان سائداً.  وعموماً فقد كان الإتحاد يتحدَّث عن قضايا النُّوبة، وكانت العضوية للنُّوبة فقط.  أما جبهة إتحاد جبال النُّوبة – والحديث للأب غبوش - فقد تم تكوينها بالأبيض في بداية الخمسينيَّات في فترة تواجدي في الكنيسة الإنجيليَّة بالأبيض، ولم تفرِّق الجبهة ما بين النُّوبة والعرب والفلاتة؛ إنَّما حدَّدت العضوية في الجَّبهة بالمواطنة في جبال النوبة، لذلك ضمت الجَّبهة كثيراً من أبناء البقارة والفلاتة والبرقو، وظهر ذلك التَّعاون واضحاً في علاقة النُّوبة والبقارة في الخدمة العسكرية والانقلابات التي شاركوا فيها مع بعضهم بعضاً، وكانت أهداف جبهة الاتحاد كما يلي:

(1)  إسترجاع مديرية تلودي.

(2)  إزالة المظالم التي كانت تتمثَّل في مال الهواء بالنسبة للعرب البقارة، والدقنية بالنسبة للنُّوبة.

(3) إيقاف أعمال السخرة، حيث كان الإنكليز يجبرون الأهالي على تنظيف وتعبيد الشوارع بدون أجر، وقد تمَّت مواجهات كثيرة بين سلطات الاستعمار والمواطنين في هذا الصدد.

ويواصل الأب غبوش قائلاً: "لم نجد صعوبة في توحيد التنظيمين وبرز إلي السطح إتحاد عام جبال النُّوبة، نتيجة لرغبة معظم أبناء النُّوبة.  غير أنَّ العلاقة بإخواننا العرب كانت لا تزال جيدة وكنا نعمل مع البعض في كثير من الأحيان، ونتيجة لذلك تم انتخاب نائب بقاري اسمه كباشي في دائرة ريفي البرام في انتخابات العام 1954م، ويلاحظ أيضاً بأننا برغم من وجود التنظيمين كنا نجبر عضويتنا على النزول في الانتخابات كمستقلين لننفي عن أنفسنا تهمة العنصرية، حيث كان ذلك التعبير رائجاً عند ظهور اتحاد عام جبال النوبة، إذ ذكر السيد الصَّادق المهدي بأن النُّوبة يحضرون للانفصال."

ويمضي الأب غبوش سارداً ملابسات انقلاب نميري فيقول: "عندما جاء جعفر نميري إلي السلطة في 25 أيار (مايو) 1969م كنا في ذلك الوقت متوجِّهين إلي رشاد، وذلك لإعلان الحزب القومي السُّوداني بعد اتفاق الجميع في مؤتمري كادقلي والدَّلنج، ولإضفاء التوجه القومي علي اتحاد عام جبال النُّوبة، وكانت رشاد هي أنسب منطقة لذلك الإعلان، لكن شاءت الأقدار أن لا يتم ذلك لأنَّ نميري قد قطع الطريق علينا.  وكان من أهداف ذلك الإعلان أيضاً توفير مظلة سياسية للانقلاب الذي كان يرتب له تنظيمنا العسكري، وكانت الترتيبات تجري علي قدم وساق، ولم نكن نعلم بأننا كنا مخترقين من قبل ابن المنطقة وابن النُّوبة العقيد محمود حسيب، حيث كان يعمل لصالحنا ولصالح تنظيم الضباط الأحرار، الذين كانوا معظمهم من القوميين العرب والشيوعيين.  وقد أتاح له موقعه في الحزب بأن يعرف ساعة الصفر لمجموعتنا وعجَّلوا بانقلابهم بيوم واحد فقط في الوقت الذي كانت قواتنا جاهزة لتنفيذ انقلاب يعيد للنُّوبة هيبتهم وسلطتهم بمساعدة أخواننا العرب في جبال النُّوبة وكردفان؛ وقد كان قائد قواتنا وقائد الانقلاب العميد عثمان حسين عثمان، وهو شقيق الشهيد المقدَّم حسن حسين عثمان.  وأذكر بأنني كنت برفقته متَّجهين إلي بورتسودان، وبالتحديد يوم 18 أيار (مايو) 1969م للترتيب مع بعض عناصرنا هناك في الجيش والبوليس عندما قابلنا العقيد جعفر نميري في محطة شندي، وعرَّفني به العميد عثمان حسين عثمان، وأذكر أيضاً بأنَّه سأله عن سبب ذهابه إلي الخرطوم فذكر بأن زوجته مريضة وهو ذاهب لمعاينتها، واتَّضح فيما بعد بأن موضوع مرض زوجته ما كان إلا تغطية لحضوره للخرطوم لتنفيذ الانقلاب.  على كل حال، مكثنا يومين كاملين في بورتسودان، ورجعنا للتوجه إلي رشاد كما ذكرت سابقاً لإعلان الحزب القومي السُّوداني، إلا إن ذلك لم يحدث.  كما أن عناصرنا في جوبا أيضاً تأخروا عن الوصول.  كل تلك الأمور جعلت قادة مايو تسبقنا بالانقلاب كما خططوا أيضاً للقبض علي كل عناصرنا عندما يتم التجمع بالخرطوم بمساعدة المرحوم محمود حسيب والذي كان يعلم بكل تحركاتنا.  ومن سخريات القدر أنَّ الأستاذ فاروق أبوعيسي، والذي كان وزيراً للخارجية، هو الذي حذَّرنا من الاعتقال، لأنَّه كان يحفظ لنا خدمة قدَّمناها له عندما صوَّت له معظم أبناء النُّوبة في حي بانت والعباسية وأبو كدوك وحي الضباط في انتخابات العام 1967م." 

ثمَّ لن يكون هناك افتئات إذا قلنا إنَّ هذا التنظيم قد طرق أبواب الإمبراطور هايلي سيلاسي في أثيوبيا طلباً للدعم والمدد كما فعلت أحزاب الجبهة الوطنيَّة (الأمة، الاتحادي الديمقراطي والإخوان المسلمون)، حيث أخبر الإمبراطور الأب غبوش أنَّه برغم تعاطفه مع قضايا جبهة التحرير إلا أنَّه لا يستطيع أن يقدِّم لهم أي دعم مادي، لأنَّه ملتزم بميثاق منظَّمة الوحدة الإفريقيَّة (الاتحاد الأفريقي حاليَّاً).  ثم اتجه الأب غبوش ومساعدوه إلى دول أخرى بما فيها تشاد، مثلما فعلت الحركة الإسلاميَّة.  وفي فورت لامي (أنجمينا حاليَّاً) – أي العاصمة التشاديَّة – طلب غبوش من الرئيس التشادي يومئذٍ فرانسوا تومبالبي أن يسمح لهم بتأسيس معسكر للتدريب العسكري داخل الأراضي التشاديَّة بالقرب من إقليم دارفور بالسُّودان، ولم يسمعوا منه شيئاً حتى طال الزمن.  وفي تشرين الأول (أكتوبر) 1970م اتفقت جبهة التحرير مع الشريف حسين الهندي على العمل العسكري سويَّاً، وكان الشريف قد أنشأ الجبهة الشَّعبيَّة السُّودانيَّة للمقاومة في كانون الأول (ديسمبر) 1969م.(57)  أما عن محاولة جبهة التحرير في إبرام تحالف داخلي مع حركة تحرير جنوب السُّودان وجناحها العسكري – "الأنيانيا"، فقد اعترضت الثانية على قيام هذا الحلف، وسوف نتطرَّق إلى هذا الأمر في سياق حديثنا عن علاقات أهل النُّوبة وشعب الجنوب في صفحات أخرى.  ففي ذلك الرَّدح من الزمان لم يعر أهل الشمال والجنوب معاً انتباهاً للأب غبوش، ولم يستطع هو استثارة تأييدهم لموقفه، الذي هو موقف الناس البسطاء، أي الشعب الحقيقي وهم شعب النُّوبة وإمكانياتهم النضاليَّة، إلا أنَّ الزمن كان كفيلاً في تحديد كيف أنَّ العلاقة بين الشمال والجنوب قد أثَّرت في مصائر الأفارقة الآخرين في الشمال، بما فيهم النُّوبة وأهل الأنقسنا والبجة ودارفور.  إذ لم تكن جبهة التحرير طرفاً في محادثات أديس أبابا العام 1972م لإنهاء الحرب الأهليَّة في جنوب السُّودان.  هؤلاء هم أهل السُّودان الذي أصر حسن مكي أن ينعتهم ب"العنصرييين واحتجاجاتهم بالعنصريَّة" كلما جاءت مناسبة لذكرهم، حيث امتنع أن يسمِّي الأشياء بأسمائها إزوراراً عن الحق وجحوداً للواقع؛ وإنَّ حسن مكي هذا على الصِّدق لكنود.

وفي الكتاب الذي أُهدي إلينا، وتحديداً في باب الملاحق والوثائق جاءت وثيقة "نحو معالجة حضاريَّة شاملة لسؤال الجنوب" أنَّ الطلاب الجنوبيين حين يأتون إلى جامعة الخرطوم فبدلاً "من أن يتعرَّفوا على الإسلام، إنَّما يتعرَّفون على الأفكار الهدَّامة في الجامعة، كالشيوعيَّة والليبراليَّة والزنجيَّة (Pan-Negroism)."  فإذا أخنا الأخيرة – أي الزنجيَّة – فنجد أنَّ كل ما فعل هؤلاء الطلاب هو أنَّهم عبَّروا عن ذواتهم وكينونتهم بما هم فيه وعليه، ولم يأتوا شيئاً إداً.  فلماذا يجوز لحسن مكي نفسه وأمثاله الاعتزاز بعروبتهم – التي نحن منها في شك مريب – ويعيب على غيرهم الانتماء إلى أصولهم؟ّ  ثم أنسي حسن مكي أم تناسى أنَّ الزنجيَّة قد أنتجت رجالاً عظاماً في ميادين الفلسفة واللغة والشعر وهلمجراً؟!  فالزنوجة (Négritude)، التي أنتجت من كان سياسيَّاً أو شاعراً أو أديباً أريباً أو جمع بين هذه كلها، هي سلوك – كما تبدو من سياق العبارة الإنكليزيَّة (Attitude) – متأصِّل ونابع من ذوات الأفارقة الذين لم يتنكَّروا لأصولهم، ولم يهجروا منابتهم هجراً مليَّاً.  وهذه الزنوجة – فوق ذلك كله – مغايرة لفظاً ومحتوى من تلك التي بها ينعت حسن مكي الأغيار من بني وطنه الذين لا يتفقون معه رأياً وعرقاً وديناً.  إذ يستخدم حسن مكي العبارة – أي الزنجيَّة (Negroism) – كمصطلح سياسي مثل الشيوعيَّة والليبراليَّة وكلها تنتهي بالإضافة الأخيرة (Suffix ‘ism’) في عهد الإيديولوجيات التي سادت العالم في القرن الماضي الميلادي.  أفلم يكن يزيد بن أبي حبيب بن سويد من النُّوبة الزنوج؟  فكان والده سويد من السبي الذي عادوا مع المسلمين بعد معركة دنقلا العام 652م، وكان من نصيب شريك بن طفيل العامري – أحد أهل المدينة؛ وسماه سيِّده سويداً مراعياً فيه لونه الأسود ولم يُعرف اسمه الحقيقي والتصغير هنا للتحقير، وقد اعتنق الإسلام، واكتسب أهميته لكونه زوَّد الفقه الإسلامي في مصر بواحد من أكبر رواده هو ابنه يزيد بن أبي حبيب.  ثمَّ أفليس نصيب بن رباح ذلك الشاعر الإسلامي الفحل أسوداً كان وهو كان يقرظ الشِّعر؟  فكان نصيب بن رباح يقيم في بلاط عبد العزيز بن مروان بن الحكم الذي حكم مصر (684-705م)، وظلَّ يمدح عبد العزيز بشعره الجميل فينال جوائزه القيِّمة لينفقها في إعتاق أفراد أسرته وتحريرهم من العبوديَّة، وذلك لأنَّه كان عبداً نوبيَّاً يتحدَّر من أبوين نوبيين.  ولم يكن نصيب يجيد الشعر فحسب، ولكنه فارساً كان يبري النبل ويريشها.  ثم هل كان ثوبان أبي الفيض بن إبراهيم الحكيم منتمياً إلى عرقيَّة أخرى غير الزنوجة التي يستقبحها حسن مكي؟!  فقد ولد ثوبان في أخميم من صعيد مصر من أبوين نوبيين.  وهو كان زعيم مذهب "الاتصال بالله" والذي أعطى التصوُّف شكله الدائم حين قرَّر أنَّ حقيقة معرفة الله لا يتوصَّل إليها إلا بواسطة (الوجد) فأنكر عليه أهل مصر، وقالوا "أحدث علماً لم يتكلم فيه الصحابة"، وسعوا به إلى المتوكل، وأطلقوا عليه اسم "الزنديق" فسيق إلى السجن وفي يده الغل وفي رجليه القيد والناس حوله يبكون وهو يقول: "هذا من مواهب الله تعالى وعطاياه، وكل فعاله عذب حسن طيب ثم ينشد:

لك من قلبي المكان المصون                كل لوم عليَّ فيك يصون

لك عزم بأن أكون قتيلاً                      فيك والصَّبر عنك مالاً يكون

ومات ثوبان العام 869م، واحتشد الناس ليكون لهم شرف تشييعه، فحُمِل في مركب حتى عدى الفسطاط (القاهرة حاليَّاً) خوفاً من زحمة الناس على الجسر، وكان جسراً خشبيَّاً يمتد فوق صف من القوارب عبر النهر، ثمَّ دُفِن بالقرافة.  ثم كان أبو حرملة فرج "النُّوبي" أحد الثائرين على نتيجة السياسة الغاشمة التي كانت الدولة المصريَّة تتبعها سياسيَّاً واقتصاديَّاً واجتماعيَّاً ودينيَّاً.  فلم يكد جابر بن الوليد المدلجي أحد أبناء قبيلة مدلج القويَّة في الاسكندريَّة يقوم بثورته العام 866م حتى انضمَّ إليه أبو حرملة فرج النُّوبي، ويحتمل أنَّه نفس فرج الأسود الذي لعب دوراً فعيلاً مع عبد العزيز الجروي في ثورته الكبيرة التي امتدت من العام (814-820م).  وقد حارب أبو حرملة قوات الدولة وانتصر عليها في عدة كور في الدلتا، وهزمها وتولى حكمها، ومضى يجمع خراجها بعد أن اتخذ من شرقيون (المحلة الكبرى حاليَّاً) عاصمة له.  وفي العام 866م وصل إلى مصر القائد التركي الكبير مزاحم بن خاقان لإخماد ثورة المدلجي واتباعه، فلم يلبث أن وقع أبو حرملة في الأسر وأُرسِل إلى الفسطاط في جمع كبير من الأسرى في رمضان من العام نفسه وظلَّ سبعة أشهر كاملة في أسره حتى أدركه الموت العام 867م.(58)

أيَّا كان أمرهم، فإنَّ "الزنوجة" ليقظة فكريَّة لتروِّد الطريق تارة، وتستكشف معارجها تارة أخرى، وتعني بالمقالة المثيرة والمحاضرة التحليليَّة تارة ثالثة، وتنظر إلى الزنوج في أي زمان ومكان تستلهم جهود رجالها الأولين في سبيل الكرامة الإنسانيَّة تارة رابعة.  وهي – مع هذا، وربما لهذا بالتَّحديد – حركة فكريَّة-أدبيَّة تربَّع على عرشها صفوة زنجيَّة متحدثة بالفرنسيَّة من محترفي الكتابة وصناع الشِّعر وأهل السياسة.  وقد عُرف مؤسسوها ب"الآباء الثلاثة"، الذين تحدَّروا من مستعمرات فرنسيَّة مختلفة في أفريقيا وجزر البحر الكاريبي، ولكنهم كانوا يومئذٍ يقيمون في باريس في مطلع الثلاثينيَّات من القرن الماضي الميلادي.  إذن، من هم هؤلاء العمالقة الذين تبنَّوا هذا المشروع الحضاري الأفريقي؟  إنَّهم إيميه سيزر، ليوبولد سيدار سنغور، وليون-فونتران داماس.  كان سيزر شاعراً، كاتباً مسرحيَّاً، وسياسيَّاً من جزيرة المارتينك، وهو كان قد درس في باريس التي عندها تعرَّف على الجالية الأفريقيَّة و"أعاد اكتشاف أفريقيا".  وقد رأى الزنوجة كحقيقة كون الإنسان أسوداً، وقبول هذه الحقيقة، مما يؤدِّي إلى تقبُّل تأريخ، ثقافة، ومصير الشعوب السوداء.  ثمَّ فكر ورأى أنَّ يعترف بالتجربة الجمعيَّة للاستعمار – المتمثلة في تجارة النخاسة ونظام الاستزراع – وحاول إعادة تعريفها.  وهكذا عرَّف فكر سيزر الأعوام الأولى للزنوجة.  وكان سيزر أول من استخدم لفظة "الزنوجة" (Négritude)، وقد صاغها من الأصل الفرنسي لكلمة (Négre) وتعني "الأسود" أو "الزنجي" في فرنسا، ولكنها تعني (Nigger) إساءة في جزر المارتنيك.  وقد استطاع أن يتغلَّب سيزر على الصورة المسيئة من استخدام اللفظة، ويستوعبها في حركته الفكريَّة.  أما سنغور – أول رئيس للسنغال بعد الاستقلال من الاستعمار الفرنسي – فكان هو الآخر شاعراً.  إذ استخدم الزنوجة ليشق طريقه في سبيل إيجاد تقييماً عالميَّاً للشعوب الأفريقيَّة وإسهاماتهم الحيويَّة.  وإنَّه لفي دفاعه في أعظم ما يكون الدفاع عن التعبير والاحتفاء بعادات أفريقيا التقليديَّة والروحيَّة، كان يعترض في أكثر ما يكون الاعتراض على العودة إلى المسالك القديمة في قضاء الحوائج.  وقد نعت آمال موسى سنغوراً وهي تكتب: "لقد مات سنغور بعد أن ذاق الوجع في الفكرة، وفي القصيدة، وفي القرار السياسي، وفي التَّعامل مع الآخر المنتفخ بثقافته وبلونه."  أما ثالثة الأثافي داماس فهو كندَّيه شاعراً كان ثمَّ من غينيا الفرنسيَّة ونائباً في البرلمان القومي.  بيد أنَّ أسلوبه التصادمي في الدفاع عن المزايا الأفريقيَّة لم يترك شكاً في أنَّه لم يكن يبغي أيَّة صورة من صور المصالحة مع الغرب.  وبما أنَّه كان لهؤلاء الثلاثة آراء متباينة حول أهداف وأسلوب الزنوجة، إلا أنَّ الحركة – على وجه العموم – قد امتازت بالآتي:

(1)    رفض الاستعمار، وذلك باستنكار انعدام الإنسانيَّة في العقل الأوربي، واستهجان السيطرة والأفكار الأوربيَّة.

(2)    أزمة الهُويَّة، وعلاجها في القبول والاعتزاز والفخر بسواد لون البشرة، وتشجيع التأريخ الأفريقي والتقاليد والمعتقدات الأفريقيَّة.

(3)    اعتماد أسلوب أدبي واقعي.

أولئك وهؤلاء فتية من الزنوج، الذين احتوتهم باريس؛ فقد راح بعضه يطلب العلم وبعضه يطلب العمل، وبعضه لا يطلب إلا الذي يلقاه.  فكانوا كلهم أجمعون أكتعون صروحاً في الأدب، وجهابذة في الفلسفة، وفطاحل في الشعر.  ومضت آمال موسى تكتب: "إنَّ هؤلاء (الشبان) قد تعاملوا مع مشاريع فكريَّة ومع قضايا تفجَّرت من عمق كيانهم، و(ذلك) لأنَّ الفكر أبديَّة العمر والقضيَّة خالدة المقاصد (...)."  وقد تحدَّى هؤلاء النصيحة النصوحة للشَّاعر الأفريقي-الأمريكي تيد جوناس للطالب المالي مانثيا دياوارا في باريس أن يخرج من هذه المدينة، فكان له من النَّاصحين.  فبم نصح جوناس بني جلدته دياوارا الذي أصبح فيما بعد أستاذاً في جامعة نيويورك؟  قال جوناس ناصحاً دياوارا: "لا تبقى هنا إلا إذا كنت ترغب أن تنتهي بك الحياة كمثل هؤلاء الأفارقة الذين تجدهم في البارات، وهم يركضون وراء النساء في سينت-جيرمين؛ إنَّهم لن يجدوا عملاً هنا، ولا يستطيعون أن يعودوا إلى أوطانهم؛ إنَّهم في الولايات المتحدة الأمريكيَّة يحبون الأفارقة القادمين من القارة الأم أكثر من الأفارقة الأمريكيين."  أخرج من هذه المدينة إنِّي لك من النَّاصحين؛ هكذا زلزلت كلمات جوناس في أذني دياوارا في باريس.  وقد كتب إلى دياوارا أحد أعمامه قائلاً له: "تذكَّر مثلنا الشَّعبي القائل إنَّه لا يهم كثيراً كم مكثت قطعة الخشب في قاعة النَّهر، فإنَّها لن تتحوَّل إلى تمساح."  عليه ينبغي عليك أن تتذكَّر دوماً أنَّك لن تكون غير ذلك الشخص القادم من سونينكي في مالي؛ فإذا أصبحت ناجحاً في أمريكا، فإنَّك لتنتمي إلى مالي، وإذا أخفقت فإنَّك ستظل تنتمي إلى أرض جدودك في مالي كذلك.  طبعاً لا شك في أنَّ أول من قال بالزنوجة هو إيميه سيزر، إلا أنَّ ليوبولد سيدار سنغور هو فيلسوفها.  هذا فلم تنسه مقاهي باريس الجميلة أنَّه فتى من "جوال" السينغاليَّة المستعمرة، وإنَّه لمدان في لونه وهُويَّته.  فما كان منه إلا أن شمَّر عن روج الجد، ووضع يده في يد الطلبة الأفارقة، وجنَّدوا أصابعهم السوداء للكتابة والنضال في نشريَّة لم يجدوا لها عنواناً أجمل أو أصدق من عنوان "الطالب الأسود"، وفيها عبَّر سنغور ورفاقه عن رفضهم للعنصريَّة، وقدَّموا أنفسهم سفراءاً للون الأسود الذي لم يمنعهم من رؤية جمال أمهاتهم ولا من أن يقعوا مغرمين بجدات ناعومي كامبل.  وتلك النشريَّة كانت بمثابة الموقد الذي يجعل للالتفاف معنى وجدوى، حيث نقلت الثَّورة العاصفة بوجدان سنغور، فكتب وكثيراً ما كان يقول: "الأبيض لا يستطيع البتة أن يكون أسوداً لأنَّ السواد هو الحكمة والجمال."  أولم ندرس في علوم الفيزياء الضوئيَّة أن اللون الأسود هو مصدر كل الألوان؟  فمن خلال الزنوجة وفلسفتها طالب الشاعر الرئيس الراحل سنغور، بعد الأخذ بالتمثل الفكري الذي خنق الشخصيَّة الزنجيَّة، بضرورة التباهي بأفريقيا عن طريق شرح العادات والأغراض والمؤسسات القبليَّة، وتزكيتها وتمجيد الأبطال الأفريقيين.  ولولا تعدد اللغات عند الأفارقة السود لحقَّق مشروع تصدير قيم الزنوج من أجل دمجها ضمن القيم الحضاريَّة الأخرى نتائج سحريَّة الوقع والتحقُّق.   فقد كتب سنغور قصيدة قاسية في نيويورك عندما زار حى الزنوج، وبها وجد أبناء جلدته يعانون التَّهميش والإقصاء حتى العنق (Up to the hilt)، وفي هذه القصيدة الطويلة والقديمة يقول:

نيويورك .. أسمعيني يا نيويورك

دعي دمي يجري في دمك

عساه يزيل الصدأ عن مفاصلك الصليبيَّة

كأنَّه زيت الحياة

فيكسب جسورك استدارة التلال ومرونة النبات المتسلِّقة

أنظري

ها هي الأزمنة الغابرة تعود مرة أخرى

وتستعاد الوحدة والرفاق بين الأسد والثورة والشجرة

وترتبط الفكرة بالعمل والأذن بالقلب والإشارة بالمعنى

على أي، فقد "أنشأ الطلائع من هذا الشباب محلات عديدة بقي منها على الأيام "برزانز أفريكان" (...) وهي كانت صحيفة لرصد مظاهر التقدم الفكري والسياسي في القارة الأفريقيَّة والمارتينك وجزر الهند الغربيَّة وهاييتي (جزر البحر الكاريبي) وملاقازي (مدغشقر حاليَّاً)، وقد رسخت أقدامها كصحيفة أدبيَّة، سياسيَّة، شعريَّة، قصصيَّة، وبحثيَّة حتى أمست نافذة مضيئة على العقل الزنجي؛" هكذا كتب عن أولئك وهؤلاء وعن الصحيفة ذاتها الأديب الأريب والناثر النحرير جمال محمد أحمد العام 1969م.(59)    فالزنوجة – إذن – مضاد قطبي للعنصريَّة العربيَّة إذا جاز لنا أن نستخدم الجدليَّة الهيغليَّة.  هذه العنصريَّة العربيَّة متجذِّرة في الهُويَّة السُّودانيَّة حيناً، ومتمثِّلة في التوجه السياسي باسم العروبيَّة حيناً آخر، ثمَّ نجدها متدثِّرة بثوب الإسلام حيناً ثالثاً، وذلك لإعطاء الطابع الروحي وإصباغ الأمر بهالة إلهيَّة حتى تبدو الأمور وكأنَّها منزلة من السماء تنزيلاً.

وإنَّ إفريقيا الزنجيَّة التي يكتب عنها حسن مكي بنزعة غير عقلانيَّة، ولغة قاسية غليظة، وأخلاق مزيَّفة، وأسلوب حمضي، هي تلك التي أنجبت أدباءاً عظماءاً، فلتجدنَّ في السنغال أمباي لو بشير، وعثمان صبنين؛ ويعتبر الأخير أحد مؤسسي السينما الواقعيَّة في إفريقيا، وبخاصة في إخراجه فيلم "البنت السوداء" (1967م)، و"EDDO" (1977م)، ومن رواياته "عامل الميناء الأسود" (1956م)، و"O Pays Mon Bau Peuple" (1957م)، و"قطعة من خشب الإله" (1960م).  وقد كتب عثمان صبنين – الذي كان يستخدم اللغتين الفرنسيَّة والولف، والأخيرة هي اللغة الإفريقيَّة المستخدمة في معظم أنحاء السنغال – عن "الندوب القبليَّة أو فولتيك" (الشلوخ أو الوشم) قائلاً: "وبعد شهور عاد صيَّادو العبيد إلى القرية، حيث أسروا "لوم"، ولكن بعد فحصها أطلقوا سراحها، لأنَّها لا تسوى شيئاً بسبب الندوب التي على جسدها.  فانتشر الخبر في القرى المجاورة، وجاء الناس من أبعد القرى لاستشارة الجدة، ولسنين طويلة وقرون ظهرت مجموعات متنوِّعة من الندوب على أجساد أجدادنا؛ وهكذا صار أجدادنا بندوب قبليَّة، لأنَّهم رفضوا أن يكونوا عبيداً."  وفي نيجيريا تجدنَّ تشينو أشيبي صاحب روايات "الأشياء تتداعى" (1958م)، و"لم يعد هناك شعور بالرَّاحة" (1960م)، و"سهم الإله" (1964م)، و"رجل الشعب" (1966م)؛ وول سوينكا صاحب أعمال كثر يصعب علينا إحصاؤها ومنها روايات "المترجمون" (1965م)، و"فصل أموني"؛ ومن مسرحياته "الأسد والجوهرة"، و"الطَّريق وحصاد كونجي"، و"كامود على الأوراق" و"بابو الملك" (2000م)؛ ومن كتبه العديدة "الرجل مات"؛ ومن قصائده "حافلة في القبر".  وسوينكا هو الفائز الأفريقي الأول بجائزة نوبل للآداب العام 1986م في تأريخ الجائزة؛ وحين أتته الأخبار منقادة إليه تجر أذيالها قال: "هذه الجائزة هي اعتراف بثقافتنا وتقاليدنا في إفريقيا، وأنا سعيد جداً بها."  وقد قال عنه الزعيم الإفريقي نيلسون مانديلا إنَّه لشكسبير إفريقيا.  كذلك أنتجت نيجيريا النَّابغة بين أوكري ورائعته – مما له من روائع أخرى – "درب المسغبة" (1991م).  وفي إثيوبيا نجد الشاعر والروائي هاما تما الذي قال: "لِكَم هو رائع أن تكون أسوداً، وبديعاً أن تكون حيَّاً."  وفي كينيا نجد الأديب الروائي نقوقي واثينغو صاحب روايات "لا تبكي يا طفلي" (1964م)، و"النهر ما بين" (1965م)، و"حبة القمح" (1967م)، و"تويجات الدم" (1977م)، و"الشيطان في الصليب" (1980م)، و"ماتيجاري" (1986م) والأخيرة نُشِرت بلغته "كيكويو"، وكذلك مسرحيَّة "سأتزوج عندما أريد" التي نُشِرت بلغته أيضاً، وتُرجِمت الأخيرتان إلى اللغة الإنكليزيَّة.  ثم هناك الكاتب الكيني جيمس كوكي صاحب رواية "النهر الفاصل".  وفي يوغندا نجد الشَّاعر أوكون بيتيك صاحب "أغاني الملاي" و"سجين إي إيه بي إتش"، و"قرن حبي" و"الأرنب وطائر البوقير".  ثمَّ هناك شاعر ملاوي جاك مابانق، ويشتمل عمله الشعري على "الحرابي والآلهة"  (1988م)، و"ثرثرة في سجن ميكيو" (1993م). وفي جنوب إفريقيا نجد الكاتبة نادين غورديمير.  هذه أمثلة من غرب وشرق ووسط وجنوب إفريقيا.(60)  هذه القائمة من الأفارقة الجهابذة تشدُّ انتباه المبصرين ببصائرهم، فلِمَ خلت هذه السلسلة الطويلة من السُّودانيين السُّود؟ وهل يعني هذا أنَّنا كزنوج في السُّودان لا نستطيع العطاء الفكري أو أي عطاء آخر؟ لسنا بصدد الإجابة على هذه التساؤلات، ولكننا على يقين بأن قوى داخليَّة عملت – وما زالت تعمل - لتقزيم دور أفارقة السُّودان.

وبرغم من مشاغل الدَّهر وهموم العصر، ظللنا نتابع – بشغف شديد وولع فريد، بل باهتمام وانتظام – ما يكتبه حسن مكي في عموده الدوري في صحيفة "الرأي العام" الخرطوميَّة اليوميَّة.  ففي إحدى مقالاته بعنوان "المكوِّن الإسلامي في السياسة والثقافة السُّودانيَّة" كتب حسن مكي قائلاً: "لم يقدِّر الكثير من الباحثين القدرات الذاتيَّة التي يتحرَّك بها المكون الإسلامي في الحياة السُّودانيَّة، وهو المكوِّن الضابط للحياة في السُّودان الوسيط، على مستوى العائلة والمجتمع في الدولة (...)، ويسمي (السُّوداني) المولود كامتداد للمسمَّيات الإسلاميَّة العربيَّة: آمنة وعائشة وفاطمة ومحمد وأبو بكر ...إلخ".(61)  فهل يعني هذا أنَّ كل من يسمَّى عيسى يجب أن يكون مسيحيَّاً؟!  إنَّ الأسماء التي أوردها حسن مكي مضرباً بها مثلاً ليست بإسلاميَّة، حيث أنها كانت موجودة قبل الإسلام.  وقد يسأل المرء نفسه – ليس من الفضول في شيء - ما معنى "مكي"؟ أهو نسبة إلى بلدة "مكة" أو "بكة" بشبه الجزيرة العربيَّة؟ إن كان الأمر كذلك، فأين وجه الإسلام فيه؛ أما إن إرتأى حسن مكي إسلاميَّة اسم والده فالإسلام برئ من هذا الاعتقاد، لأنَّ مكة (بكة) سبقت الإسلام وجوداً.  والحق، إن استعملنا الاسم القرآني لبلدة مكة، وهو بكة، لانقلب اسم حسن مكي إلى "حسن بكي أو بكوي أو بكاوي" وهذا عالَم لُّغوي آخر ليس لنا قدراً من الوقت للخوض فيه!

 على أيَّة حال، لم ندر ما هي حدود السُّودان الوسيط الذي يتحدَّث عنه حسن مكي؟  وهل يعني هذا التَّعريف أنَّه ليس هناك ضابطاً آخر للحياة في السُّودان "الوسيط" وغير الوسيط (الهامش)؟  أفليس في المسيحيَّة والديانات الأفريقيَّة الأخرى مُثلاً وقيماً لضبط حيوات الذين هم بها يؤمنون وفيها يعتقدون؟  ألم تر أنَّ هناك مسمَّيات سودانيَّة جديرة بالذكر سواءاً كان في السُّودان "الوسيط" أو غير الوسيط (الهامش)؟  فما بال الأسماء مثل كوكو وتية وكافي وكاكا وملوال وأكيج ورياك وشول ونقد الله – الذي يعني عبد الله عند النُّوبيين – وأدروب وأوشيك وتيراب وغيرها.(62)  فالاسم في جبال النُّوبة لا علاقة له بالدين – أي دين – فلتجدنَّ من يدعى محمد وهو ليس بمسلم برغم من إسلاميَّة وعروبة الاسم، ولتجدنَّ من يدعى تيه وهو مسلم برغم من أفريقيَّة الاسم، وكذلك لتجدنَّ من يسمى سبت وهو ليس بيهودي وإنَّه لمسلم أو مسيحي أو غير هذا ولا ذاك، وهناك من يسمَّى إسرائيل في جبال النُّوبة وليس بيهودي.  فلا نحسب أنَّ للاسم علاقة بالإسلام، فإنَّ للثقافة دوراً محوريَّاً في التسمية.  فالذين  كانوا يحملون أسماءاً دالة في العصر قبل الإسلام – أو ما تعارف عليه فقهاء الإسلام بالعصر الجاهلي، ولنا في ذلك قول على قول – لم يغيِّروا أسماءهم بعد اعتناقهم الإسلام في صدر الإسلام، ولم يطلب منهم الرسول صلى الله عليه وسلَّم أن يبدِّلوا أسماءهم، فكان هناك من كان يدعى صخر بن حرب، وحجر وغيرهما.  أما الموالي في الجزيرة العربيَّة، وهم كانوا كثراً نذكر منهم عمار بن ياسر ووالدته سميَّة، وصهيب بن سنان سابق الروم إلى الإسلام، والخباب بن الأرت، وعبد الله بن مسعود صاحب الرسول عليه الصلاة والسَّلام، وبلال بن رباح مؤذن الرسول (ص)، هني مولى عمر بن الخطاب، سالم مولى أبي حذيفة وهو كان رقيقياً فارسيَّاً من أهل اصْطَخَر، عثمان بن حنيف، وياقوت الحموي (وهو شهاب الدين بن عبد الله ياقوت بن عبد الله الحموي الرومي البغدادي) وغيرهم؛ إذ أخذوا أسماءهم من البيئة التي فيها نشأوا، والثقافة التي وسطها ترعرعوا، أو إليها جُلِبوا من الفرس أو الروم أو أفريقيا رقيقاً كانوا ثم مصفدين بالسلاسل من أقدامهم وأياديهم مقيَّدة من خلف ظهورهم، أو جاء منها آباؤهم كبضاعة جلبها النخاسون العرب.  لذلك كذلك كنا نأمل أن يأخذ إخوتنا العرب في السُّودان أسماءهم من تراث الأرض السُّودانيَّة، وثقافة الدَّولة التي فيها ولدوا، ولم يعرفوا عنها بديلاً.

واللافت في مقالات حسن مكي وتأليفاته – في هذا السياق – كيف أنَّه لا يتوقَّف عن التفكير بأنَّ "السُّودان الوسيط" يتفوَّق على بقيَّة السوادنة، وبالتَّالي يتعيَّن على السُّودانيين أجمعين أن يصبحوا – لمصلحتهم – خاضعين للهيمنة السُّودانيَّة-الوسيطة.  والمهم في الأمر أنَّ الذين تحدَّثوا عن هذا الجانب من تفكيره أكَّدوا وأصرّوا دائماً على أنَّه ينطلق فيه ليس من نزعة قوميَّة سودانيَّة شاملة، بل من نظرة عربيَّة-دينيَّة ضيِّقة تمجِّد الثقافة العربيَّة والإسلام الأصولي على اعتبارهما صالحان لقيادة السُّودان، بل والعالم كله نحو الحلول الكونيَّة والأخلاقيَّة السَّعيدة.  وحين ينظِّر حسن مكي حول "السُّودان الوسيط" فلا مُراء أنَّه يشمل منطقة سنار بالجزيرة، مع علمنا أنَّ لأهل سنار الأصليين ثقافة عريقة وتليدة تمتد إلى عصور السلطنة الزرقاء (مملكة الفونج) أو أبعد إلى ذلك.  وكانت لهذه المملكة علاقات سياسيَّة واقتصاديَّة واجتماعيَّة وثقافيَّة بمملكة الشلك، وذلكم بحكم الجوار في كل الأحايين والاحتكاك في بعض الأحايين.  ومن الإرث الاجتماعي الذي ورثناه من مملكة الفونج الثوب السُّوداني، الذي تطوَّر وأخذ أسماءاً مختلفة حسب الموضة،  ومن أسمائه: "ثوب زراق" (أي الثَّوب الأزرق)، "أبو كنار"، "المفستن"، "بوليس النجدة"، "كرسي جابر"، "ثوب الدش"، "جلد النمر"، "العديل والزين"، "ثوب سَلَطة"، "أبو قجيجة"، و"ثوب أبو حريرة" (نسبة للدكتور محمد يوسف أبو حريرة - وزير التجارة إبَّان عهد الديمقراطيَّة الثالثة)، "رسالة لندن"، "رسالة دبي"، "ساري"، "ماردونا"، "ليزر"، "المظاهر"، "الدلع"، "الرميلة"، "المرايا"، "الكمبيوتر"، و"الكرب أو ثوب الجيران".  فالثوب السُّوداني بقي الزي القومي المميز للمرأة السُّودانيَّة في بعض مناطق السُّودان، واحتفظ عبر تلك المراحل بجماله وسحره وبساطته.  وكان – حتى وقتٍ قريب – ترتديه أمهاتنا في جبال النُّوبة بطريقة مختلفة عما ألفته نساء أهل الشمال، أو قل مثلما يرتدي شباب الشلك "اللاو" في جنوب السُّودان.  ولأنَّ الثوب السُّوداني رمز جمال المرأة السُّودانيَّة وحشمتها تغنى به وله الشعراء والفنانون منذ أمدٍ بعيد ولا يزالون.  وتفنَّن الصَّانعون في تصميمه وحياكته، بحيث يساير الموضة حتى في أسمائه التي يروِّجون لها من خلاله – كما أشرنا.  فها هو الشَّاعر فضل الله عبد الحميد بن عوف يتغنَّى بالثوب السُّوداني من خلال هذه الأبيات:

بعادك كم مرة ومرة أبكاني                  عايش جوه جوه وجداني

يا سلام على الثَّوب السُّوداني               في الصِّغر عند أمي غطَّاني

في الكِّبر أفرحني سرَّاني          خائل جميل يحمل معاني

ليه حبي وعطفي وحناني          مهما أقول فيك أغاني

ألقاك أكثر من المعاني                       يا سلام على الثَّوب السُّوداني

من زمن بنت عبود مهيرة                   مكانتك في نفوسنا كبيرة

إنَّ الحشمة المافي غيرة                     محاسن الثَّوب كثيرة

حشمة للوالدة الكبيرة                         غاية للحلوة الصَّغيرة

كان هذا – وما زال – من أمر الثَّوب السُّوداني، والذي يعود عهده إلى حضارة الفونج الضاربة في جذور التأريخ السُّوداني المعاصر، وليست تنورة طويلة، أو بلوزة بأكمام طوية وخمار للرأس أو طرحة، أو العباية أو الجلباب أو النقاب الأسود أو البُركة - رداء الأخوات المسلمات.  ويشير الأستاذ جي سبولدنق في كتابه "عصر البطولة في سنار" إلى التركيب الاجتماعية والاقتصادي للمجتمع السناري الذي كان يتكوَّن من النبلاء والطبقة الوسطى والعامة والعبيد.  هذا هو "شأن كل مجتمعات الاسترقاق، فقد كانت العلاقة بين هذه الطوائف تقوم على التحالف المصلحي والاستغلال الأمثل لمواردهم.  وطغت هذه المصلحة على قيم الإسلام في المساواة إذ أنَّ الاسترقاق كان يقوم على اعتبارات عرقيَّة، حتى وإن دخل هؤلاء المسترقون في رحاب الإسلام؛ ويشير سبولدنق إلى ظاهرة انتقاء الأسماء كمظهر من مظاهر التمييز الطبقي، فالأسماء المتداولة بين النبلاء دوماً هي أسماء مثل: عجيب وعدلان، وعمارة وبادي.  أما الأسماء الشَّائعة بين الطبقة الوسطى (ممن يلقبون بالأرباب) فهي أسماء مثل أبي زيد، علي، عبد الرحمن، وحمد؛ وبين العامة أسماء مثل بله، وبر، وكمير.  أما العبيد فقد كانت أسماؤهم توحي جميعها بأنَّهم فَيْءٌ أفاءه الله على النبلاء كأسماء: الله جابو، فضل المولى، رزق الله، وخدم الله، أو توحي بأنَّهم عطاء مَنَّ به النبلاء على صنائعهم  في الطبقة الوسطى مثل خير السيد، قسم السيد، وعبد السيد.  ولا شك في أنَّ ما يعانيه السُّودان اليوم من تمزُّق هو انعكاس لرواسب مجتمعات الاسترقاق تلك والتي ما زالت تلقي بظلالها الكثيفة على العلاقات الاجتماعيَّة وتمتد، بسبب من هذا، إلى الأوضاع السياسيَّة".(63) 

فلا ريب في أنَّ حسن مكي لا يتوارى ولا يتوانى في استدعاء كراهيته المعتَّقة ضد الإنسان الإفريقي (الأسود)، ويتخيَّر المراجع في استلهام ذاكرته.  ففي سبيل عرضه ل"معجم الأدباء أو إرشاد الأريب إلى فهم الأديب" لياقوت الحموي نقل حسن مكي عن "سيرة بعض شعراء السُّودان، مثل أحمد بن علي الأسواني المصري، الذي كان على جلالته وفضله، قبيح المنظر، أسود الجلدة، ذا شفة غليظة، وأنف مبسوط، كخلقة الزنوج، قصيراً وقد قاتل صاحبنا مع الملك صلاح الدين الأيوبي، ولكن ظفر به أعداء صلاح الدين وقتلوه، وترنَّم في آخر ساعات حياته قائلاً:

إن كان عندك يا زمان بقيَّة                  مما تهين به الكرام فهاتها

ويمضي حسن مكي في القول: "ويحدِّثنا عن كاتب آخر، أهم كتبه "زهد السُّودان"، ولكن بما أنَّ أهل السُّودان القدامى لم يشتهروا بأدب وعلم، باستثناء لقمان، الذي عُرف بالحكمة."(64)    وحين ننظر إلى هذا الاقتباس نصبح في حيرة من أمرنا، أو قل ماذا أراد حسن مكي بهذا مثلاً، حيث لم يدقِّق حتى في قراءة النص؛ إذ كيف يتحدَّث عن "سيرة بعض شعراء السُّودان" ليقول إنَّه لأحمد بن على الأسواني المصري؟!  ألم يعلم حسننا هذا أنَّ في مصر العليا نوبيين، وهم أفارقة في دولة مصر ذات السيادة والاستقلال لا السُّودان؟ّ  ثم تُرى كيف استعان بكتاب ياقوت الحموي بكل ما فيه من إساءات وإهانات، والإكثار في التفحيم اللغوي، والرسم الكاريكاتوري لشخصيَّة الأسواني المصري وليس السُّوداني.  فلا مُراء أنَّ حسن مكي يريد أن يترك لضغائنه وموجدته الحريَّة في أن تظهر للناس واضحة جليَّة لا يشوبها الزخرف والتنميق، ولا يشوِّهها طباشير التصنُّع والتكلُّف.  أما القول بأنَّ "أهل السُّودان القدامى لم يشتهروا بأدب وعلم باستثناء لقمان الذي عُرِف الحكمة"، فهذا تناقض في أعظم ما يكون التناقض وحجة معلولة في أكثر ما تصيب الحجج من علل.  هل هذه أزمة الإنسان عندما يبدأ يكتهل، أم أزمة المفكر أمام تفاهة معمَّمة، أم – وليس أخيراً – أزمة الإنسان أمام تناقضاته الوجدانيَّة.  وإذا لم يكن لأهل السُّودان القدامى عهداً بالأدب والعلم فكيف بنوا ممالكهم وحضاراتهم مثل المريس والمغرة وعلوة، بل إنَّهم لسليلو تأريخ عريق به استطاعوا أن يأسسوا جيوشاً قويَّة حاربت حتى في مصر وفلسطين، وخشعت لهم شعوب كثر، واقتدرت هذه الجيوش أن تصمد في وجه الأشوريين في الهلال الخصيب، كما لم تفلح الإمبراطوريَّة الرومانيَّة أو الفارسيَّة في بزَّهم أو القضاء عليهم، بل كانوا يعيشون نمطاً من الحياة القديمة والعريقة.  فلم يقم حسن مكي – ما من ريب في الأمر – بإجراء بحوث أثريَّة لتأريخ السُّودان القديم قبل دخول العرب (والإسلام) إلى السُّودان حتى يتوصَّل إلى هذه النتائج بكل ما تحمله من أغلاط.  وقد أنفق الدكتور أسامة عبد الرحمن النور في موقع "أركاماني" الإلكترونيَّة – مجلة الآثار والأنثروبولوجيا (علم الإناسة) – سنيناً عدداً يبحث في تأريخ الممالك السُّودانيَّة، ويوثِّق للمؤتمرات العلميَّة، ويعرض الكتب والدراسات عن ملوك وملكات كوش، والديانة الكوشيَّة، والثقافات الإفريقيَّة، وذلك حفاظاً للعلم نفسه وللأجيال القادمة وللحضارة الإنسانيَّة، فطوبى له، ورحمه الله رحمة واسعة.  فليست هناك أمة – أيَّة أمة – يمكن وصفها بأنَّها عديمة أدب وعلم، والسبيل الوحيد لمعرفة آدابهم وعلومهم هو دراسة لغاتهم وأسلوب معايشهم وإجراء بحوث إثنوغرافيَّة عن مجتمعاتهم وثقافاتهم وعلاقاتهم الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة؛ أو بصورة أخرى دخول بيوتهم وترافقهم في حلهم وترحالهم، وإلى مزارعهم حيث يكدحون، وإلى معابدهم، وبخاصة ترافقهم في أعيادهم وطقوسهم.  وانطلاقاً من دراسة حيواتهم وأساطيرهم ومعتقداتهم وأديانهم، وقبل هذا – وبخاصة – علاقة القرابة والترابط فيما بينهم وبين عناصر الطبيعة وتطوُّر تواريخهم.. واحتفالاتهم وأقنعتهم ولغاتهم، ومقارناً بينها وبين الأساطير ونظرتهم إلى نباتات الطبيعة وحيواناتها، يمكننا أن نهتدي إلى ثقافاتهم وفنونهم وآدابهم.  إذ ارتبط الفن والأدب عبر التأريخ بسيرورة المجتمع البشري وتطوُّره في علاقته مع الإبداع الإنساني.  وحسن مكي قد آمن بنوع من العنصريَّة المستندة إلى بعد هتلري لا لبس فيه، مثلما جاءت في مراسلات كارل غوستاف يونغ السويسري إلى سيغموند فرويد اليهودي النمساوي – بعد الصداقة ثمَّ القطيعة – أنَّه يكره "الشعب المبتذل كراهيَّة عميقة"، وهي تعابير كان فرويد يكتفي رداً عليها، في رسائله الجوابيَّة، إما بالصَّمت تماماً حيالها، وإمَّا بالتَّعبير عن مواقف عقلانيَّة لربما كانت هي ما أغاظ يونغ.  إننا لم نتشرَّف في حياتنا كلها بمشاهدة حسن مكي، غير صورته "البورتريه" – أي الجانبيَّة – التي تزين صفحة من صفحات صحيفة "الرأي العام" الخرطوميَّة اليوميَّة، ولكن من خلال ما نقرأه عنه من تتفيه للإنسان الإفريقي الأسود حسبنا أن "بشرته بيضاء تسر الناظرين"، وعسى ألا يخيِّب ظنِّنا في ذلكم الحسبان.  والجديد المدهش أنَّه استبدل الصورة القديمة ذات العمامة والجلابيَّة بأخرى شبابيَّة وهو في زي أفرنجي، لكنه لم يغيِّر – ولم تغيِّر الصورة البديلة – من الأمر شيئاً.

هذا، وقد دفعت مقولات وكتابات حسن مكي العامة والخاصة من أهل السُّودان إلى أن "يتساءل العقلاء منهم لم يؤطِّر حسن مكي الحركة الإسلاميَّة في مكوِّنات السُّودان الأوسط الروحيَّة والذهنيَّة وتهويمات سكانه وحسب، وقد كانت حركة الإسلام السياسي لكل السُّودانيين بغض النظر عن عرقياتهم وجهاتهم؟"(65)  ولهؤلاء العقلاء نقول لهم: كلا إنَّكم كنتم لتجهلون كنه الحركة الإسلاميَّة، وكنتم مخدوعين بخطابها السياسي، وقد أُكلتم يوم أُكِل الثور الأبيض، ثم كنتم لا تعلمون نهج قادتها العنصريين حتى استبان لكم الرُّشد في ضحى الغد.  وما "المشروع الحضاري" إلا غطاءاً لحماية العنصر والثقافة العربيين ضد وجود العنصر والثقافة الإفريقيين اللذين يغلبان على التكوينات القبليَّة السُّودانيَّة (61% حسب إحصاءات العام 1956م)، وإنَّه – أي المشروع الحضاري – لتعبير عن استمرار المهانة القديمة في سياق هيمنة واستعباد.  فالحركة الإسلاميَّة – كأيَّة حركة عمادها الدين أي دين – ينخرط فيها الناس من ذوي مشارب متشعَّبة وأغراض متباينة.  فمنهم من دخلها إيماناً منه بأنَّها حركة إسلاميَّة خالصة لوجه الله ومبتغاهم في ذلك الدخول في دين الله لنشر الدعوة الإسلاميَّة بالتي هي أحسن أو بالجهاد قولاً وفعلاً؛ ومنهم من دخلها من العسكر أو المدنيين بغية الحصول على وظيفة سياسيَّة عند مآل أمور الحركة إلى السُّلطة انقلاباً كان أم انتخاباً؛ ومنهم من طرق بابها من العنصريين الغلاظ وذوي القلوب الفظة لإشباع رغباتهم العنصريَّة المفرطة وإتباع أهوائهم في العروبة التي ما انفكَّت من رباطها بالإسلام؛ وهناك الضعفاء التعساء في المجتمع الذين يولعون بالجديد عسى أن يكون لهم فيه مخرج صدق وتبديل حالهم التي منها يشتكون، ولا سيَّما إن كان هذا الجديد سيغدق عليهم من أموال "البر والتقوى" في شكل "غوث إسلامي".  أفلم يستنكف قوم نوح عليه الصلاة والسَّلام وسادة قريش على كل من سيدنا نوح ومحمد عليهما الصلاة والسَّلام، لأنَّهما اتَّبعهما الأرذلون منهم؟  ثمَّ إنَّ هناك كذلك المغامرون الذين تستهويهم المغامرة وركوب الصعاب.  تُرى أين موقع حسن مكي في هذا التصنيف والتصفيف؟  وهل كان الأب الروحي لسياسة "الأبارتهيد" (Apartheid) في جمهوريَّة جنوب أفريقيا غير ذلكم المتدين المعروف باسم الدكتور هيندريك فرينش فيرفويرد (1901-1966م)، والذي نزح أبواه من هولندا إلى جنوب أفريقيا ونال قسطاً وفيراً من العلم في جنوب أفريقيا وألمانيا، وعاد بعد أن تأثَّر بأفكار ألمانيا النازيَّة-العنصريَّة وعمل أستاذاً جامعيَّاً في جنوب أفريقيا قبل أن يصبح مهندساً لسياسة "الأبارتهيد" اللعينة!  وهل كانت ألمانيا النازيَّة الهتلريَّة غير ذلكم الحزب اليميني المتطرِّف الذي اتَّخذ الصليب المعكوف رمزاً له!  وهل كان اليمين المتطرِّف في إسرائيل غير تلك الأحزاب السياسيَّة التي تتخذ من الديانة اليهوديَّة أداة لمشروعيَّتها السياسيَّة!

فلا جدال أنَّ الفرنسي آرثر كونت أي غوبينو (1816-1882م) هو مؤسس الفكر الذي قامت عليه المبادئ النازيَّة، وذلك في كتابه الأشهر "دراسة حول التفاوت بين أعراق البشر"، حيث عمد إلى التركيز على ما اعتبره تفوق العنصر الآري، أي العنصر البشري نفسه الذي سيشكل لاحقاً محور اهتمام أدولف هتلر ومنظِّريه، وتفوق العنصر الجرماني باعتباره الوريث المنطقي للآريين.  مهما يكن من الشأن فإنَّ هيغل دنا من هذا الأمر كثيراً في العديد من كتبه، وإنَّ كثراً من المفكرين الألمان اشتغلوا على الموضوع نفسه.  ومما زاد من صدقيَّة غوبينو لدي الألمان أنَّه كان من أوائل "العلماء" غير الألمان وغير الآريين، الذين أعطوا الجنس الآري تلك المكانة، التي كان من نتائجها صعود النازيَّة واندلاع الحرب العالميَّة الثانية والمذابح الجماعيَّة التي نعرفها.  وكان من بين حواريي غوبينو الإنكليزي، الذي سيحوز الجنسيَّة الألمانيَّة مع بدء صعود النفوذ النَّازي في ألمانيا، هوستون ستيوارت تشامبرلن، حيث استخدموا "استنتاجاته" ليصيغوا للقوميَّة-الاشتراكية، نظريتها المشؤومة.(66)  ولا مريَّة في أنَّ الفاشيَّة ترتكز على جملة من المبادئ التي بموجبها يتم اعتبار النظام السياسي فاشيَّاً؛ أولها استناده إلى الفكر القومي الشوفيني العنصري (Nationalist, chauvinistic and racist ideology).  فالفاشيَّة تستمد قوتها من الأفكار العنصريَّة التي تروِّج لها، إذ يتم إلغاء الهويَّة الوطنيَّة ومحاربة كل القوميات الأخرى وإجبارها على تبني القوميَّة المسيطرة كفكر أصيل، والنضال من أجل الانصهار في القوميَّة التي تتحوَّل إلى النمط العسكري، ولا يمكن أن نرى فكراً فاشيَّاً لا يستحث الفكر القومي له نموذجاً.  ففي الوضع الذي فيه يتضافر العامل الإيديولوجي مع العامل النفسي تنزلق السلطة سريعاً إلى التسلُّطيَّة باسم الدين تارة وباسم الإثنيَّة تارة أخرى، وهذا ما يختمر في أذهان البعض في السُّودان.

وقد كتب عبد الباقي حسن قبريت سائلاً: "لم يقر الدكتور حسن مكي بمشروعيَّة جهويَّة السُّودان الأوسط، ويظهر وجهاً أكثر كراهيَّة حيال من وصفهم بالسود طارحاً انتماء أهل السُّودان الأوسط السلالي للعمل السياسي، ويعلن حرباً شعواء لا هوادة فيها على القوى الأفريقيَّة الزنجيَّة؟!  إذا يفعل حسن مكي هذا ويتخفَّى وراء لقبه العلمي الفخيم، داعياً بطرحه المعهود إلى تفريغ العاصمة من أبناء الأقاليم الأفريقيَّة السُّودانيَّة (الحزام الأسود) وتعريض عروبتها لخطر تغيير وجهها العربي إلى أفريقي!  بل يوجِّه الرسائل العلميَّة التي يشرف عليها بموقعه في جامعة أفريقيا العالميَّة لخدمة هذه الأهداف المتمثِّلة في محاربة الثقافات الأفريقيَّة في أرضها "لأنَّها انعزاليَّة"، أو كما يزعم هو وآخرون.(67)  ويمضي عبد الباقي حسن قبرت كتابة: "إنَّ هذه ليست مجرَّد تفسيرات لاتجاهات فكريَّة ونظريَّة (Conceptual and theoretical orientations)، بل تأكيداً لم طُبِّق ويُطبَّق الآن من خلال ظاهرة "الكشة"، ورفض فتح أراضي سكنيَّة بعد وضع اليد لأكثر من ثلاثين عاماً (على قطع سكنيَّة) حول العاصمة (القوميَّة بواسطة هؤلاء المواطنين الشرفاء) لولا تمرُّد الوزير شرف الدين بانقا".  ويذكر حسن مكي في كتابه مدافعاً عن شيخه أنَّ الدكتور حسن عبد الله التراب "والى نقده لسياسات النظام (المايوي)، حيث هاجم سياسات إبعاد المواطنين من العاصمة "الكشات"، باعتبارها تتعارض مع الحريات الأساسيَّة ومبادئ الدستور (...)".(68)  وفي الحق لم نسمع بهذا الهجوم "الترابي" على على النظام المايوي، إلا إذا كان ذلك في جلسة "إخوانيَّة".  وإذا افترضنا جدلاً صدق وصحة ما يزعمه حسن مكي، فلِمَ لم يعارض الترابي هذه الحملات غير الإنسانيَّة حين كان يمثِّل الأب الروحي للنظام "الإنقاذي"؟  ولِمَ لم يحرِّك ساكنه ويهز أركانه حين كان جنده يقبضون على أبناء النُّوبة والجنوبيين وأهل دارفور ويجنِّدونهم قسراً ويرسلونهم إلى محرقة الحرب الأهليَّة في جنوب كردفان (جبال النُّوبة)، وجنوب النيل الأزرق (منطقة الفونج)، وجنوب السُّودان؟  ألم يكن ذلك متعارضاً مع الحريات الأساسيَّة ومبادئ الدستور؟

فما هي العنصريَّة هذه التي ظللنا نسمعها طيلة هذه الحقب العجاف في السُّودان؟  العنصريَّة صفة مقلوبة بات يطلقها ويلصقها أهل الحكم في الخرطوم ورجال الأحزاب السياسيَّة في الشمال على قطاع عريض من أقوام السُّودان – وهم النُّوبة وأهل دارفور والجنوب – كلما هبَّوا في انقلاب عسكري أو حركة مسلَّحة لاجتثاث منابت الظلم الاجتماعي، واقتلاع منابع الفساد السياسي، وإثبات حقَّهم المشروع في المشاركة في السلطة السياسيَّة، وتوزيع الثروة القوميَّة، دون إقصاء أو إبعاد غيرهم.  فأين تكمن العنصريَّة في المطلب الشَّعبي الدَّاعي إلى انتشار التَّعليم؟  وأين تقبع ملامح العنصريَّة في المناداة – من قبل أهل الهامش – بتحسين وتوسع الخدمات الصحيَّة والبيطريَّة متاعاً لهم ولأنعامهم؟  وفيم نجد العنصريَّة في استصراخ أولئك وهؤلاء بأهل الحل والعقد في رصف الطرق وتشييد الجسور؟  على أيَّة حال، فإنَّ العنصريين الحقيقيين – إذن – هم من يتفوهَّون بهذه الصفات من أهل الشمال، ومنهم حسن مكي؛ هذه بضاعتهم الكاسدة نلقيها عليهم مزجاة لعلَّهم يعقلون.  وعما يكتبه حسن مكي نجد أنَّ هناك من ينافح عنه، وهناك من يتصدَّى له ويدحضه.  وقد تصدَّى لعنصريات حسن مكي هذه إخوة بررة كرام كاتبون، وبأقلام جريئة ومقلات جياد في الشبكة العالمية الواسعة الانتشار، نذكر منهم: الدكتور قندول إبراهيم قندول، الأستاذ أمين زكريا إسماعيل، الأستاذ أبو طالب حمدان، الأستاذ عبد الغني بريش.  إذ إنَّهم امتشقوا أسلحة الدفاع عمن ينعتهم حسن مكي ب"عصبيات الهامش والشحن العرقي والجهوي"،(69) وهم يقومون بذلك بكل قوة في مساندة الذين أعلنوا رعبهم وبغضبهم عند قراءتهم لكتابات حسن مكي.  فأهل "الإنقاذ" خاصة وأنصار الحركة الإسلاميَّة عامة جلبوا لأنفسهم أسباب الخوف، وذلك بالتقوُّل على الدين الإسلامي والتزيُّد على طرائقه دون أن يتركوا النَّاس يعتقدون فيما يختارون، لأنَّهم في نهاية الأمر مسؤولون أمام ما اختاروه للاعتقاد فيه، أو كما قال جون هنري نيومان العام 1848م: (We can believe what we choose; we are answerable for what we choose to believe).  ومن منطلق تبنيهم للإسلام لم يأتوا – كما كان يمكن الناس أن يتوقَّعوا – عملاً مؤلهاً أو منزهاً عن الأخطاء والخطايا.  حيث لم تكن لهم نزاهة سياسيَّة أو أخلاقيَّة أو ماليَّة أو اجتماعيَّة حتى تمنعنا هذه النزاهة من ممارسة تدنيس لسمعتهم، أو تلطيخ الصور المؤمثلة لهم.  عليه، كلما ناله أهل السُّودان من جماعة "الإنقاذ" هو الإرهاب والرُّعب والاضطهاد والتمريغ في الوحل باسم الإسلام.  ومن هنا نراهم – أي أهل "الإنقاذ" - يعيشون وسط خوف دائم من أمور ما كان لها أول الأمر أن تخيفهم، لكنها لفرط ما يتحسَّبون منها، تأتي لتخيفهم في نهاية الأمر.  إنَّ أولئك "الإسلامويين" سيدفعون الثمن غالياً، هم الذين اخترعوا أسباب خوفهم وسيصبحون ضحيتها في نهاية الأمر، لأنَّ المستبد أكبر ضحيَّة للاستبداد سواء علينا طال الزَّمن أم قلَّ، "ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله" (فاطر 35/43).  كما سيدفع أنصارهم الدمويين حتى وإن كان القمع لا يزال في الوقت الراهن قادراً على أن يدَّعي امتلاك الكلمة الأخيرة.



مسألة جنوب السُّودان .. وأسئلة الاستقلال الشَّائكة

لا ريب في أنَّ مشكل الحرب الأهليَّة في جنوب السُّودان هو أكبر تحدٍ سياسي وأمني وعسكري ورثه السُّودان من الاستعمار البريطاني-المصري (1898-1956م)، مما يعطي دلالة أنَّ هذا السُّودان ما هو إلا رمزاً من رموز بعض البلدان الإفريقيَّة التي أُعطيت استقلالها ولم تعرف ماذا تفعل به.  والسؤال الذي يطرح نفسه هو:  لماذا أخفق وارثو الاستقلال في إنشاء نظام سياسي فيه تتوافر العدالة الاجتماعيَّة والتعايش – وليس العيش – المشترك، والتمثيل السياسي المتكافئ والاعتراف بالآخر ثقافة ولغة وعادات وتقاليد وغيرها.  ففي إطار سياسة التعامل مع مسألة جنوب السُّودان ينقسم الساسة الشماليُّون وأهل الفكر والرأي إلى ثلاثة أصناف: هناك الذين ما برحوا يفكِّرون في التعاطي مع هذا المشكل عن طريق القوة العسكريَّة، وتحييد حركات التمرُّد من خلال التعامل مع دول الجوار، وبسط الأمن العام بأي ثمن بما فيه قتل الأبرياء وحرق القرى والتَّعذيب وغيرها؛ وكان دعاة هذه المدرسة الفريق إبراهيم عبود ومحمد أحمد محجوب، لذلك لم تحظ سياساتهم تجاه هذه المسألة بأيَّة خطوات إيجابيَّة لإيجاد الحل السلمي للمشكل.  أما دعاة المدرسة الثانيَّة، فهم الذين كانوا يرون ضرورة إيجاد مخرج سياسي لهذه المعضلة، فيمكننا أن نذكر منهم الرئيس الأسبق جعفر محمد نميري، وإن وضع بعض الكتَّاب الغربيين السيد الصَّادق المهدي من ضمن أهل هذه المدرسة.  ثمَّ هناك أهل المدرسة الثالثة وهم أولئك المفكِّرون وأصحاب الرأي في الشمال الذين حاولوا أن يكتبوا عن هذا المشكل بشيء من العقلانيَّة، برغم من تقهقرهم أحياناً إلى رأي أهليهم في الشمال في بعض المواقف الوطنيَّة الشائكة، ومنهم المرحوم البروفسير محمد عمر بشير والمرحوم بشير محمد سعيد.  بيد أنَّ الدكتور عبد الرحيم مدثر الطيب يجسِّد العقل الشمالي التقليدي في تعاطيه مع مسألة الجنوب، وهو من أكاديميي الحركة الإسلاميَّة، ثمَّ إنَّه من أولئك النخب الشماليَّة الذين كرَّسوا سنوات عمرهم وجهدهم الأكاديمي لإعلام العالم أنَّ "مشكل جنوب السُّودان" من صنع الاستعمار البريطاني، وكفى.(70)  وقد تناول البحَّاث الإسلامويُّون "مسألة الجنوب" بصور مختلة ومن زوايا عدة، نذكر منهم الدكتور الطيب زين العابدن، والدكتور عبد الوهاب الأفندي، والدكتور سراج الدين عبد الغفار عمر وهو تلميذ الدكتور حسن مكي في جامعة إفريقيا العالميَّة.  أما حسن مكي فهو ظاهرة من ظواهر الكتَّاب الإسلامويين الذين أنتجتهم الحركة الإسلاميَّة، فكانوا في الماضي يخرجون البحوث العلميَّة، ويعدون أوراق العمل الحزبيَّة.  ففي كتابه الذي نحن في الحديث عنه أشار إلى هذه الجهود البحثيَّة لصالح الحركة الإسلاميَّة.

ففي باب الملاحق والوثائق أرفق حسن مكي المذكرة التي أرسلها عثمان خالد مضوي – (من جماعة الإخوان المسلمين) الأمين العام للجَّبهة الوطنيَّة – إلى الرئيس الليبي العقيد معمر القذافي عن طريق سفيره في المملكة العربيَّة السعودية حول اتفاقيَّة أديس أبابا الموقعة بين النظام المايوي وحركة تحرير جنوب السُّودان في 27 آذار (مارس) 1972م.  فماذا جاء في المذكرة الموجَّهة إلى العقيد الليبي؟  قال مولانا عثمان خالد مضوي، الذي كان قاضياً من قبل في الخرطوم: "إنَّ دخول الإسلام والعروبة إلى جنوب السُّودان بدأ قبل قرون عن طريق العرب في شرق إفريقيا، وكذلك بواسطة تغلغل القبائل العربيَّة المهاجرة من المغرب العربي القادمة عن طريق غرب السُّودان والتي امتزجت بالزواج والمصاهرة مع القبائل النيليَّة الكبرى التي تغطي أعالي النيل وبحر الغزال.  ولقد زاد هذا التغلغل والتأثير عندما امتدت رقعة الخلافة العثمانيَّة إلى منابع النيل في يوغندا، وإلى قندر وهرر ومصوع في إثيوبيا، وعندما اشتعلت الثورة المهديَّة العام 1881م زحفت كتائب الإمام محمد أحمد المهدي وبسطت نفوذها على كل أنحاء القطر وتجاوزتها إلى الأقطار المجاورة، فاحتلَّت مساحات ضخمة من إثيوبيا وتشاد ويوغندا وما يسمى حاليَّاً بجمهوريَّة إفريقيا الوسطى، وقد عمَّقت كل هذه الحوادث النفوذ العربي والإسلامي في الجزء الجنوبي من السُّودان."(71)  هذا تزيُّد سياسي حامل أجندة لا يمكن أن تجلب للوطن ما يصلحه، وإنَّها لمليئة بآيات الخراب، ليس فقط للسُّودان وإنَّما لجيرانه.  برغم من أنَّ المهدي استطاع بسط نفوذه على بحر الغزال العام 1884م، إلا أنَّه سحب أنصاره من المنطقة في وقتٍ لاحق.  وفي العام 1888م حاول المهدي غزو الجنوب للمرة الثانية، إذ واجهت محاولته للسيطرة على مديريَّة الاستوائيَّة مقاومة عارمة من قبل القبائل المحليَّة، وبقايا الجَّيش التركي-المصري والبلجيك في الكونغو.  إذن نجد أنَّ محاولة المهدي لإرغام أهل الجنوب أن يصبحوا مسلمين قد باءت بالفشل، وخلفت عدائيَّات كثر، وأباح المهدي تجارة الرق في الجنوب.  وأخيراً استطاع أهل الجنوب الذين حاربوا أنصار المهدي بضراوة أن يجبروهم على الانسحاب العام 1897م، وبخاصة حين وطَّد البلجيك سلطتهم في منطقة لادو.  هذا هو التأريخ، فبأي آلاء ربكما تكذِّبان!  وقد ذكر مضوي أنَّه جاء في اتفاق أديس أبابا ما "يعين الانتقال بين الشمال والجنوب، وأن يكون لسلطة الإقليم الجنوبي الحق في منع أي شخص أو أشخاص من دخول الإقليم الجنوبي لأسباب تتعلَّق بالصحة أو النظام العام."(72)  وفيما يختص بهذا الزعم لم نجد نصَّاً في الاتفاقيَّة يقول: "يعين الانتقال بين الشمال والجنوب"، ولا يمنع "أي شخص أو أشخاص من دخول الإقليم الجنوبي لأسباب تتعلَّق بالصحة أو النظام".  وإن وُجِد نص بهذا المضمون فلا اندهاش ولا ضرار في ذلك، فإنَّما الحكومات دوماً تمنع التنقُّل، أو تحدِّد حركة مرور بعض الأشخاص إذا انتشر وباء عضال يمكن أن يفتك بالبشر إن لم يتم التعامل معه بالصورة الوقائيَّة المطلوبة، ويُحبَس هؤلاء المرضى في المصحة من أجل صحة المجتمع كله، وكذلك تجري الحال على المجرمين العتاة أو مثيري الشغب، أو مهددِّي الأمن العام.  أفلم يسمع هؤلاء المسلمون القانتون بحديث الطاعون وفيم قال الرسول عليه الصلاة والسَّلام فيه؟!

مهما يكن من الأمر، فقد جاء في مذكرة عثمان خالد مضوي الذي لم يكن له من بدّ غير الانتقاد والانتقاص من اتفاقيَّة أديس أبابا الموقعة بين النظام المايوي وحركة تحرير جنوب السُّودان العام 1972م، وكان عثمان هذا عازفاً على ما أسماه "أخطار اتفاقيَّة أديس أبابا على مسار حركة العروبة والإسلام."  وعكس ما ادَّعى عثمان خالد مضوى، فقد توافرت فرص كثر للحركة الإسلاميَّة في أجواء السَّلام التي سادت ربوع جنوب السُّودان والمؤسسات التي تم تشييدها بعد الاتفاقيَّة في الانتشار السرطاني جنوباً.  ففي "تشرين الثاني (نوفمبر) 1980م انعقد المؤتمر القومي الثالث للاتحاد الاشتراكي السُّوداني (...) وفي أثناء المداولات خرج بعض السياسيين الجنوبيين عن مسار المداولات مشيرين إلى أنَّ حركة الإخوان المسلمين لا تشكل خطراً على شمال السُّودان وحده، ولكن كذلك الجنوب وأنَّها أقامت لها تنظيماً في جامعة جوبا وعدداً من المدارس، كما أنَّها جلبت عدداً من الطلاب الجنوبيين إلى الخرطوم وجعلتهم ليس فقط مسلمين، ولكن كذلك استوعبتهم في تنظيم الإخوان المسلمين، وأنَّ هؤلاء الطلاب يعقدون الآن معسكراً غير مشروع في الخرطوم، وطالبوا بإرجاع الطلاب للجنوب، وإيقاف هذا الانتهاك الواضح لاتفاقيَّة أديس أبابا."(73)  كذلك، ومن خلال اطلاعنا وعكوفنا على المصادر التي توافرت لنا و"توضيحاتها"، لم نجد فيها ما اعتبره عثمان خالد مضوي "أخطار اتفاقيَّة أديس أبابا على مسار حركة العروبة والإسلام".(74)  إذ كل ما خرجنا به – من بعد دراسة مستفيضة وقراءة تحليليَّة – أنَّ هناك أقوام سودانيُّون أصليُّون، حيث لم يدَّعوا انتماءهم لأيَّة أرض خارج الوطن، وقد ناضلوا في أروع ما يكون النضال، واستبسلوا في أشرف ما يكون الاستبسال طيلة ال17 عاماً، واستطاعوا – بفضل هذا النضال واستبسالهم ذاك – أن ينالوا الحكم الإقليمي، الذي ما لبث أن أصبح أساس تقاسيم أقاليم السُّودان في الإطار الشكلي وليس المحتوى.  وفي مذكرة عثمان خالد مضوي اعتراف ضمني بأنَّهم في أحزاب الجبهة الوطنيَّة كانوا – حين كانوا يتربَّعون على مقاليد السُّلطة في الخرطوم – يحاربون أهل الجنوب بغرض التَّعريب والأسلمة.  فلماذا ارتضوا بأنفسهم ولأنفسهم أن يمارسوا هذا العنف المستطير على أهل الجنوب؟  وهل كانوا ليرضون إن حارب أهل الجنوب أهل الشمال في شمال السُّودان من أجل "أفرقنتهم" وتنصيرهم؟  ومن ذا الذي أعطاهم ذلك الحق الذي يسمح لهم بنشر ثقافتهم ودينهم عنوة واقتداراً على الذين لبثوا في ديارهم، يتحمَّلون ظلم الظالمين، وعسف العاسفين بشيء من الشدة والغلظة عبر الدهور؟  لا شك في أن المسيحيَّة والإسلام دينان مستوردان، ومنبتهما الهلال الخصيب في الشام، وأمصار مكة المكرَّمة والمدينة المنوَّرة في الحجاز؛ وإن كانت هناك ثمة مساواة وعدالة في التعاطي مع الأديان والأوطان، فينبغي أن تُعامل هاتين العقيدتين – بالإضافة إلى العقائد الأفريقيَّة لمواطني السُّودان الأصليين – معاملة متساوية في الحقوق والواجبات، وسبل التعبُّد والتبشير، وإبعادها عن السياسة؛ لأنَّ للسياسة معايير مختلفة، وقد لا تخضع للأديان والأخلاق كما كتب الدكتور عبد الوهاب الأفندي لأنَّ "هذا بدوره يقود إلى سؤال آخر أعمق حول علاقة السياسة بالأخلاق، وهو سؤال طُرِح منذ أيَّام ابن خلدون مروراً بنيكولو ماكيافيلي وتوماس هوبز، وكان موقف هؤلاء أنَّ السياسة عالم له منطقه الخاص به الذي لا يمكن إخضاعه لمعايير الدين والأخلاق.  وقد تطور هذا الموقف في الممارسة الديمقراطيَّة الحديثة والعلوم الاجتماعيَّة المرتبطة بها إلى حل وسط، يعترف بأنَّ السياسة هي ميدان صراع المصالح وتوازن القوى، ولكنها يجب أن تكون محكومة بحد أدنى من القيم تتم صياغتها في شكل دساتير أو قوانين أو مواثيق دوليَّة لحفظ حقوق الفرد أو التعايش بين الدول والجماعات."(75)

أيَّاً كان الأمر، فقد أفلحت مذكرة أحزاب الجبهة الوطنيَّة التحريضيَّة في ازدياد "نفور الليبيين من النظام (المايوي) بعد اتفاقيَّة أديس أبابا (العام 1972م)، التي رأى فيها الليبيُّون محاولة لخلق خصوصيَّة إقليميَّة سودانيَّة منافية لروح الوحدة العربيَّة."(76)  وفي دليل استشهاده ب"عمالة الذين فاوضوا مع قادة حركة التمرُّد"، لم يكن من باب الصدف أن يختار عثمان خالد مضوي السيد أبيل ألير لتصويب سهامه العنصريَّة عليه.  فقد شهد مضوي بصحيفة "الأوبزيرفر" البريطانيَّة الصادرة في 27 شباط (فبراير) 1972م بأنَّ "اختيار أبيل لرئاسة الوفد السُّوداني كان أهم العوامل التي أدَّت إلى نجاح المفاوضات!  كيف لا وأبيل ألير من أهم وأشهر الانفصاليين، وأقوى وأنشط عناصر حزب جبهة الجنوب الانفصاليَّة."(77)  هذه هي شهادة حق – على الأقل في نصفها الأول – لكنها أُرِيد بها باطلاً.  وحسبما كتب أبيل ألير في كتابه "جنوب السُّودان: التَّمادي في نقض المواثيق والعهود" برغم من رئاسته للوفد الحكومي بحكم منصبه وزيراً لشؤون الجنوب، إلا أنَّه كثيراً ما كان موضع عدم الثقة من قبل رصفائه الشماليين – لا لشيء، بل لأنَّه من أهل الجنوب.  فقد ذكر أبيل في هذا السفر أنَّه كانت هناك اجتماعات سريَّة تتم في غيابه داخل غرف الفندق الذي كانوا فيه يقيمون، وحين يخلد هو إلى الراحة، وذلك بعد انتهاء الاجتماعات الرسميَّة.   ثمَّ هناك تقرير أمني رفعه ممثل الاستخبارات العسكريَّة في الوفد الحكومي المفاوض إلى المؤسسة العسكريَّة، ولم يطَّلع عليه أبداً.  هذه هي حال أبيل، وقد كانت حاله في هذه الأحايين بعد أن ارتاب منه إخوته في الجنوب لأنَّه جاء على رأس وفد تفاوضي من أهل الشمال – العدو التقليدي – وشكوك بعض أهل الشمال فيه لأنَّه ليس منهم، كحال أندرو جونسون الذي اصطفاه الرئيس الأمريكي إبراهام لنكولن (1809-1865م) ليكون نائباً له ريثما يعمل على تضميد جراح الحرب الأهليَّة الأمريكيَّة، وتعضيد عناصر الوحدة الوطنيَّة، والحفاظ على الدولة التي كادت أن تنفطر إلى شطرين.  وكان جونسون هو ذلك السناتور من تينسي قبل الحرب الأهليَّة الأمريكيَّة، وهو كان الجنوبي الوحيد في هذا الجسم التشريعي الذي وقف معارضاً انفصال الجنوب الأمريكي، وإيمانه بالاتحاد كان فريداً من نوعه، وبخاصة من رجل ذي خلفيَّة جنوبيَّة؛ وقد تحدَّث يوماً أنَّه حين يموت سوف يتَّكئ رأسه في القبر على دستور الاتحاد.  وكان إبراهام لنكولن يقول: "ليس هناك أحداً له الحق في انتقاد أندرو جونسون في أي شيء لأنَّه شقي كثيراً وأعطى كثيراً من أجل هذه الأمة."  وبعد اغتيال لنكولن العام 1865م خلفه جونسون.  فقد رُفِض جونسون من قبل أهل الولايات الجنوبيَّة المتمرِّدة لأنَّه ترك إخوته في الحرب الأهليَّة الأمريكيَّة وناصر أهل الولايات الشماليَّة، وبخاصة لأنَّه بدَّل انتماءه الحزبي من الديمقراطي – حزب غالبيَّة أهل الجنوب – إلى الجمهوري الاتحادي لاحقاً – حزب الرئيس لنكولن، ثمَّ لم يثق فيه أهل الولايات الشماليَّة أنفسهم لأنَّّه من الجنوب وشتموه ولعنوه ووصفوه بأفظع العبارات وأشنع الألفاظ، بل حاول الكونغرس محاكمته بالخيانة العظمى وفشلوا في ذلك.  ففي ذروة الشجار حول إعادة بناء الدولة في أعقاب الحرب الأهليَّة وبعد اغتيال لنكولن، صاح السيناتور تشارلز سومنر فيه قائلاً: "جونسون رجل عربيد وقح متوحش، حصان كاليغولا يحظى بالاحترام مقارنة معه"، في إشارة إلى حصول حصان القيصر الروماني كاليغولا على مقام قنصلي.  وقد أعلن بنجامين بتلر مشيراً لاختيار جونسون للرئاسة بعد اغتيال لنكولن: "بواسطة اغتيال قذر جداً اعتلى (جونسون) عرش الرئاسة، وإنَّه لمنتخب القاتل لهذا المنصب."  وحين طلب جونسون أربعين يوماً لتجهيز دفاعه، كان رد غريمه في الكونغرس ثاديوس ستيفنس: "أربعين يوماً! كما استغرق الرب الصالح لتدمير العالم بالطوفان."(78)  وفي ذلكم إشارة إلى طوفان سيدنا نوح عليه الصلاة والسَّلام.

فبرغم من أنَّ اتفاقيَّة أديس أبابا قد حقَّقت سلاماً في الجنوب وهو أعظم انجاز نظام مايو فيما فشلت في تحقيقه كل الحكومات السابقة، إلا أنَّ بعضاً من صفوة الجنوب لم يكونوا راضين بجوهر وروح الاتفاق، لذلك كانت هناك خلايا متمرِّدة داخل القوات المسلحة السُّودانيَّة من المستوعبين من قوات أنيانيا السابقة.  فقد ذكر اللواء (م) جوزيف لا قو في كتابه الصادر حديثاً أن النقيب يومئذٍ جون قرنق كان مسؤولاً عن المنشورات التي كانت منتشرة وسط الجَّيش معبِّرة عن عدم الرضا بالاتفاقيَّة؛ كان ذلك قبل أن يتعرَّف أهل الجنوب بشكل خاص والسًّودان بشكل عام من خلال هذه المنشورات، حقاً، إلى شخصيَّة هذا الرجل الطموح الذي سوف يصنع جزءاً من تأريخهم قبل أن يطيح به التأريخ.  ثمَّ هناك الحوادث المميتة التي أسفرت عن عودة بعض المحاربين السَّابقين إلى الغابة؛ إذ كان على القيادات السياسيَّة أن يسدوا هذه الثغرات بمعالجة هذه المشكلات قبل استفحالها.  أما أهل الشمال فبدلاً من أن تعي قادة أحزابهم أهميَّة هذه الاتفاقيَّة والعمل على علاج جوانب القصور التي تجعل ظهور بعض العصاة من جماعة التمرد السابقة، أنفقوا جل نشاطهم في انتقاد وانتقاص الاتفاقية، ووصفها ببوابة لدخول إسرائيل والصهيونيَّة إلى السُّودان.  وفي هذه الأثناء أذكر الحديث الذي أطرفنا به أحد الأصدقاء الظرفاء حين بدا متحدِّثاً: "قد بلغت نظريَّة المؤامرة بالعرب والمسلمين مبلغاً حتى إذا تشاجر أحدهم مع زوجه، أمسى يتصايح قولاً إنَّ لإسرائيل والحركة الصهيونية العالميَّة أيدي خفيَّة في إفساد حياتنا الزوجيَّة التي كنا نحياها في حبور وانشراح!"

وفي أدبيات الجبهة الوطنيَّة ذكرت إحدى منشوراتها "أنَّه لأول مرة تُستخدَم القوات المسلَّحة ضد المواطنين، كما حدث في الجزيرة أبا وود نوباوي (العام 1970م) والانقلاب الشيوعي (العام 1971م)."(79)  هذا تكذيب على الحق، ومحاولة لطمس التأريخ.  أفليس نزول الجيش إلى الشارع وإطلاق النار في المليان على العمال المتظاهرين من مضربي مصنع نسيج أنزارا في جنوب السُّودان العام1955م يُعد استخداماً للقوات المسلَّحة ضد المواطنين؟!  ألم تُستخدَم القوات المسلحة ضد أهل الجنوب منذ العام 1955م حتى العام 1972م – أي لمدة 17 عاماً حسوماً؟  ألم يُستخدَم الجَّيش في أحداث جوبا وواو وبور في الستينيَّات من القرن الماضي الميلادي؟!  ألم يكن سكان جنوب السُّودان مواطنين؟ ألم ينشأ رئيس الوزراء السُّوداني محمد أحمد محجوب في الستينيَّات من القرن الماضي الميلادي ما تعارف عليه ب"الحرس الوطني"، وتقابله اليوم مليشيات قوات الدفاع الشَّعبي، ليخرجوا مع الخارجين، ويعدو مع العادين، ويعيثوا في ثرى الجنوب فساداً وتقتيلاً واغتصاباً ونهباً لممتلكات أهل الجنوب الذين كانوا لا حول ولا قوة لهم؟(80)  فقد استخدمت الحكومة السُّودانيَّة الجَّيش والشرطة لتفريغ عمال مشروع أنزارا التنمويَّة في مديريَّة الاستوائيَّة، وفصل 300 من العمال الجنوبيين وإحلال محلَّهم موظَّفين شماليين.  ثمَّ ما لبثت القوات المسلَّحة والشرطة أن فتحت نيران بنادقهم على المتظاهرين المدنيين العزل، مما أدَّى إلى مقتل 8 أشخاص وجرح آخرين في يوم 26 تموز (يوليو) 1955م، وذلك بعد يوم واحد فقط من المحاكمات الهزليَّة لنواب البرلمان الجنوبيين، حيث قضت المحكمة بسجنهم.(81)  وهنا – كذلك – تجدر الإشارة إلى المذبحة التي قامت بها القوات المسلحة في مدينة جوبا في يوم الخميس 8 تموز (يوليو) 1965م.  وتعود أسباب المجزرة إلى أنَّه تشاجر بعض جنود الحكومة السُّودانيَّة مع بعض أفراد المجتمع في بيت الدعارة، مما أسفر الشجار فيما بينهم إلى طعن أحد الأهالي جنديَّاً من جند الحكومة وسقط مقتولاً، وهرب زملاؤه إلى معسكر الجَّيش.  هؤلاء هم "جند الله، جند الوطن" الذين كانوا من المفترض عليهم إن دعا داعي الفداء ألا يخونوا، بل يتحدّوا الموت عند المحن، ويشتروا المجد بأغلى الثمن.  لكنَّهم "جند الله، جند الوطن" الذين فكَّروا بأقدامهم ساعة الشدَّة لينقذوا جلودهم، وتركوا رفيقهم وراءهم صرعى الموت بطعنة خنجر.  ثمَّ عادوا مسلَّحين وأطلقوا الرصاص في الهواء في بادئ الأمر، ثمَّ فتحوا نيران بنادقهم على المواطنين العزل في نهاية الأمر، وهكذا فتحوا لهم أبواب الموت.  وقد استمرَّ إطلاق النار على الجنوبيين منذ الساعة 11:20 مساءاً حتى الساعة 1:30 مساء في اليوم التالي – أي الجمعة، وبلغت ضحايا هذه المجزرة أكثر من 1,400 شخصاً، برغم من أنَّ السلطات الحكوميَّة قد اعترفت بمقتل 400 مواطناً.  أيَّاً كان العدد، فقد أدَّت هذه الحادثة إلى انعدام "حي الملكيَّة" من العنصر الرجالي تماماً، حتى أمسى الحي يُعرَف ب"حلَّة رجال مافي"، وبخاصة إذا تصوَّرنا التعداد السكاني لمدينة جوبا (40,000 نسمة) في ذلك الرَّدح من الزمان، وارتكاب المجزرة بهذا الحجم الكارثي والشكل الوحشي.  وقد قامت "جبهة الجنوب" في ذلك الوقت بتسليم مذكرة إدانة قويَّة لرئيس الوزراء السُّوداني محمد أحمد محجوب.  وقد ذكرت المذكِّرة – فيما ذكرت – تسبب الجَّيش في حرق 10 قرويين أحياء في منطقة تقع شمال مناطق الشلك، ومقتل 16 شخصاً بما فيهم نساء وأطفال، ثمَّ مقتل عشرة أشخاص في يوم 19 حزيران (يونيو) 1965م في مدينة بور مما دفع المواطنين للهروب من المدينة، ثم مقتل ثلاثة أشخاص في توريت في يوم 25 حزيران (يونيو) 1965م، وأربعة آخرين في مدينة أوباري في الفاتح من تموز (يوليو) 1965م، وباتت المدينة مهجورة كذلك.  وطلبت المذكِّرة من السيِّد رئيس الوزراء القيام بالآتي عاجلاً:

(1)   إجراء تحقيق كامل وعاجل في هذه المجزرة المتعمِّدة، وجعل التقرير متاحاً للجميع.

(2)   إرسال ممثِّلين من الحكومة وآخرين من "جبهة الجنوب" إلى جوبا للحصول على المعلومات الأوليَّة عن الوضع.

(3)   مراجعة سياسات الحكومة نحو الجنوب، وعند الفشل في القيام بهذه الإجراءات على الحكومة أن تقدِّم استقالتها.

كذلك قامت "جبهة الجنوب" بإرسال رسائل إلى مفوضيَّة حقوق الإنسان في نيويورك، المفوضيَّة العالميَّة للقانونيين في جنيف، الأمين العام لمنظَّمة الوحدة الإفريقيَّة (الاتحاد الإفريقي حاليَّاً)، وكذلك الدول الإفريقيَّة السبعة التي أرسلت مراقبين إلى "مؤتمر المائدة المستديرة" حول الجنوب.(82)  لم تكن هذه المجزرة هي الأولى من نوعها في جوبا ذاتها، بل سبقتها مجزرة أخرى في شباط (فبراير) 1965م حين قامت القوات المسلَّحة بقتل 14 مدنيَّاً جنوبيَّاً وتدمير 50 منزلاً، وذلك لحمل الحكومة على ألا تعقد "مؤتمر المائدة المستديرة" في جوبا بحجة أنَّ الأمن فيها غير مستتب.  على أيَّة حال، فقد استهجنت صحيفة "الأيام" و"(Morning News)" مجزرة جوبا الأخيرة، وذلك في كلمتي الصحيفتين اللتان كتبهما رئيس التحرير وصاحب الصحيفتين بشير محمد سعيد.

وبعد 3 أيَّام فقط من مذبحة جوبا – أي تحديداً في يوم الأحد 11 تموز (يوليو) 1965م – وقعت مجزرة أخرى في مدينة واو، حاضرة مديريةِّ بحر الغزال.  ففي ذلك اليوم أقام اثنان من وجهاء المدينة حفل زواج، وهما أوكتافيو دينج والتاجر سيبريانو سير أيويل.  وإنَّهما لفي مراسيم عقد القران جاءت سرية من الجَّيش الحكومي المتمركزة في مباني المدرسة الصناعيَّة، وأمرت أربعة من الشماليين بمغادرة المكان، ثمَّ قامت بإطلاق النار على المدنيين الجنوبيين المدعوين، مما أسفر الهجوم عن مقتل 76 شخصاً وجرح ثمانية آخرين.  وكان على رأس قائمة القتلى الطبيب البيطري جستن بابيتي أكول، وهو شقيق الدكتور لام أكول أجاوين – وزير الخارجيَّة السُّوداني الحالي في "حكومة الوحدة الوطنيَّة" – الذي لم تستقر به الحال أو يثبت له موقف.  فتراه محارباً كان في صوف الحركة الشَّعبيَّة والجَّيش الشَّعبي لتحرير السُّودان ليعود ويرتمي بذاته في أحضان نظام "الإنقاذ"، ثمَّ يعود إلى الحركة مرة أخرى ليخرج عليناً وزيراً للخارجيَّة، وقد بات مؤتمراً وطنيَّاً أكثر من بعض أعضاء حزب المؤتمر الوطني أنفسهم، حتى قال قائلهم: "لقد أخطأنا بعد اتفاقيَّة الخرطوم للسَّلام العام 1997م لأنَّنا لم نتوِّجه وزيراً للخارجيَّة في ذلك الرَّدح من الزمان."  أيَّاً كان من أمر لام أكول، فقد قيل عن مجزرة واو إنَّها لم تكن في حقيقة الأمر "إلا مجرَّد إشاعة بوجود متمرِّدين مسلحين مندسين وسط المدعوين، وذلك حسب إفادة الرائد إبراهيم زعوط قائد الحامية، والمرحوم النقيب عثمان حسين أبو شيبة قائد سريَّة الرئاسة، والمهندس حامد المأمون الريح مدير محطة الكهرباء."(83)  وقد استنكر اتحاد عام جبال النُّوبة مذابح المواطنين الأبرياء في جوبا وواو في بيان أصدرته اللجنة التنفيذيَّة؛ إذ أشار البيان إلى أنَّ هذه المجازر التي تنفِّذها القوات المسلَّحة في الجنوب – وبإشارة من الخرطوم – ليست هي ضد الإنسانيَّة وتكذيباً لحفاوة أهل الشمال فحسب، بل هي انعكاس لما يضمرونه تجاه المجموعات السُّودانيَّة الأخرى.  ثمَّ جاء في البيان المذكور أنَّه إذا أصرَّت السلطات على استمرار سياسة الاضطهاد والإبادة – كما هي ممارسة عمليَّاً في الجنوب – فسوف تؤدِّي هذه السياسة إلى قصر عمر الحكومة، لأنَّه ليس الأمر مستساغاً أن تغذي الحكومة الشَّعب على ما لا يشتهون.  وإنَّ باسم أهل النُّوبة يود الاتحاد أن يمد تعازيه لمقتل الزنوج في الجنوب، وعلى الحكومة أن تراجع سياستها نحو الجنوب.  ثم جاءت رسالة نافلة من أحد أعضاء اللجنة التنفيذيَّة لاتحاد عام جبال النُّوبة إلى صحيفة "(The Vigilant)" لتحمل نفس الإدانة وبصورة قويَّة أو في أقوى ما يكون الخطاب، وكذلك خرج الطلاب الجنوبيين بجامعة الخرطوم بمذكرة قويَّة ملخصة نضال أهل الجنوب منذ العهد التركي-المصري (1821-1885م) حتى حكومة محمد أحمد محجوب العام 1965م ضد الظلم والطغيان، وتمَّ نشر المذكرة في الصحيفة المذكورة سلفاً.  ومن قبل كانت الشرطة من أهل الشمال قد اغتالت بغتة زميلهم الجنوبي المفتش العام للشرطة جويل أكيج في بانتيو في الستينيَّات من القرن الميلادي المنقضي، واغتال أفراد الجيش الحكومي بإطلاق النار على المفتش العام للشرطة جوزيف كيزانغا في يامبيو في الستينيَّات كذلك بعد أن استدعي للاجتماع بهم في معسكر الجَّيش، وكان القتيلان قد أرسلتهما حكومة الخرطوم إلى الجنوب ل"حفظ القانون والنظام" لتقتلهما الفئة الباغية.  لا مريَّة في أنَّ محمد أحمد محجوب كان يجتوي أهل الجنوب – أي يبغضهم، وقد توسَّم الجَّيش السُّوداني منه هذا السلوك، مما دفعهم إلى القيام بالإبادة الجماعيَّة وجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانيَّة والتطهير العرقي دون هوادة.  ففي سالف الأزمنة طلب رئيس جمهوريَّة غانا كوامي نيكروما من محجوب أن تتوسَّط غانا لحل المشكل الجنوبي، فما كان من محجوب إلا أن رفض ذلك الطلب رفضاً باتاً، وأصرَّ أنَّ هذا شأن داخلي ولا يرضى بأحد وسيطاً.

غير أنَّ محجوب الارستقراطي كانت والدته من الأرقاء برغم من أنَّ الذين يعرفون الأسرة ينكرون ذلك، حيث كان بالإمكان – إن صحَّ هذا الادعاء – أن يستثمر هذه الصفة لتحرير الأفارقة من بني جلدته في جنوب السُّودان من قبضة أهل الشمال، وبذلك يكون قد نال مكاناً مرموقاً في تأريخ السُّودان الحديث كما فعل البطل علي عبد اللطيف.  بيد أنَّ محجوب، الذي هو نتاج نظام التَّعليم والتثقيف والتسييس في الشمال الذي تم غرسه في التماهي النفسي والاستراتيجي المرتبطان بالهويَّة العربيَّة-الإسلاميَّة في السُّودان، اختار أن يجدف في الجانب الآخر وفي الاتجاه المضاد من النَّهر.  وتنظر طائفة من أهل الشمال، وبخاصة ممن أسرفوا على أنفسهم، إلى هذا الوضع المختل كأداة لتحرير النَّفس في الوقت الذي فيه يستنكرون الهُويَّة الإفريقيَّة بزعم منهم أنها "بدائيَّة ومتخلِّفة ومهينة"، وتقبع تحتها الاسترقاق.  فقد ساهمت كل هذه العوامل المعقَّدة في نفس محجوب في الديناميكيات السياسيَّة للهُويَّة العرقيَّة والثقافيَّة والدينيَّة في السُّودان ومكانه في العالم، وبذلك بات محجوب بابويَّاً أكثر من البابا وتركيَّاً أكثر من الأتراك، وقديماً قالوا: "التركي ولا والمتورك".  وقد قال عنه منتقدوه إنَّ محجوب الشاعر والمهندس والمحامي البارع الناجح لا يمكن الوثوق به، وهو كان يعاني من عقدة اللون.(84)  إن حقيقة انتماء أهل السُّودان إلى إفريقيا، ولو من جانب الأم، لا مريَّة فيها؛ تلك هي الحقائق القديمة والتي ينبغي على الجاحدين بها أن يستعيدوا اكتشافها، ولو بمرارة بعد قرون من الميل الشعورى المستبطن.  أولئك الذين ينكرونها إنَّما ينكرون عائلاتهم، وتقاليدهم، وتراثهم، وحقوق ميلادهم، بل وذواتهم!  إنَّهم لن يُغفر لهم بسهولة.

بيد أنَّ محنة واو في الحرب الأهليَّة الثانية (1983-2005م) لم تكن بأحسن مما كانت عليها في الستينيَّات، وقد عبَّر شعراً عن هذه الخطوب الأخيرة التي ألمَّت بهذه المدينة الشَّاعر الأستاذ جون أقويك ماليث في قصيدته "محنة واو"، والتي يقول فيها:(85)

واو محرق هلاك                   يطلب رحمة الملاك

صار مأوى للخرتيت               منذ حركة توريت

قلنا واو نور                         قالوا واو نار

اشتعلها أويت أويت                 مستعيناً بميارديت

فرتتها أهال الفرتيت                وفرتكها جيل الترفيت

قلنا واو نور                         قالوا واو نار

دم الشَّباب سال                      دمَّعت عيون الأطفال

شبح الذئب الأكال                   من بقايا الاقتتال

قلنا واو نور                         قالوا واو نار

اتحاد الفرتيت فلاتا                 انصهار الجور والدينكا

تنظيم الجَّيش مليشيا                 تنسيق نياقات انيانيا

قلنا واو نور                         قالوا واو نار

حصانة المراحيل والجلابة         نشاط البوليس والسجانة

اقتران الإسلام بالعربيَّة            استلهام المسيحيَّة بالزنجيَّة

قلنا واو نور                         قالوا واو نار

صنعة لصوص الخرطوم          وارتده عنصر بيلفام

إغراء إبليس الجحيم                ارتواء مرازيق العالم

قلنا واو نور                         قالوا واو نار

أنستنجد رحمة الصَّادق             أم ننتظر إنقاذ قرنق؟

طريق الحوار مجيد                والله وحده صادق

قلنا واو نور                         قالوا واو نار

مرَّت علينا الأزمان                 والشَّعب غارق في الآلام

مصمِّم لبناء السُّودان                جاد لإحلال السَّلام

قلنا واو نور                         قالوا واو نار

غير أنَّ الشَّاعر ماليث لم يكن حصيفاً حين أشار إلى رحمة السيِّد الصَّادق المهدي.  لماذا إذن؟  إنَّه لهو نفس الصَّادق المهدي الذي كان رئيساً للوزراء في الفترة بين (25 تموز (يوليو) 1966 – 15 أيار (مايو) 1967م)؛ وفي تشرين الأول (أكتوبر) 1966م قام الجَّيش الحكومي بفتح النار على 340 من الراقصين المدنيين في منطقة تالي، وفي الفترة بين 27-29 كانون الأول (ديسمبر) 1966م قتل الجَّيش الحكومي 400 شخصاً في مدينة توريت.  ثمَّ إنَّه هو الصَّادق ذاته الذي ذهب إلى مدينة بور ووقف على قبر الملازم زهير بيومي، الذي قُتِل في العمليات العسكريَّة بواسطة الأنيايا العام 1965م، وطفق باكياً ناحباً على قبر الضابط الشمالي القتيل.  وما أن غادر ركب رئيس الوزراء قبر الجندي غير المجهول حتى قام الجَّيش السوداني – الذي تكهرب بدموع رئيس الوزراء- باعتقال وقتل 22 من القيادات المحليَّة لقبيلة الدينكا في شباط (فبراير) 1967م، والذين لم يكن لهم حول ولا قوة في قتل الملازم.  وقد شكل بعض أبناء هؤلاء الشيوخ لاحقاً عنصراً مقاتلاً في الحركة الشَّعبيَّة والجَّيش الشَّعبي لتحرير السُّودان.(86)  وقد كتب المرحوم بشير محمد سعيد – رئيس مؤسسة الصحافة السُّودانيَّة ومدير مؤسسة الأيام يومذاك – أنَّه على الحكومة أن تشكِّل لجنة للتحقيق في أحداث بور، التي اعترف وزير الداخليَّة حينئذٍ – السيد عبد الرحمن نقد الله – أنَّه قد قُتِل أربعة شيوخ فقط.  ومضى بشير محمد سعيد كاتباً أنَّ الحادث يلقي بظلال كثيفة على قوات الأمن في السُّودان، وإنَّ الإرهاب الذي تمارسه هذه القوات الأمنيَّة له تأثيرات خطيرة على العلاقات بين الجنوب والشمال.  وقد أبدى بشير محمد سعيد أسفه البالغ وحزنه العميق لأنَّ هذه الأحداث المأسويَّة لا تتفاعل معها الحكومة.  وإذا كان السُّودانيُّون يعتقدون أنَّ غياب الهم الوطني سوف يساعد على رتق الوحدة الوطنيَّة، فإنَّهم - في اعتقادي – "أمة الضأن"، هكذا كتب بشير محمد سعيد.(87) 

وقد أردف حسن مكي في كتاب "الحركة الإسلاميَّة في السُّودان (1969-1985م)" مذكرة السيد الصَّادق المهدي إلى الرئيس السُّوداني الفريق أول جعفر محمد نميري حول انتفاضة شعبان في 8 أيلول (سبتمبر) 1973م، إلا أنَّ حسن مكي قام بحذف أربع جمل نحسبها في غاية الأهمية، وربما كان لها صلة بالحركة الإسلاميَّة نفسها.  فإنَّ تسجيل التأريخ بهذه الصورة المنتقاة لتضر بالأمانة العلميَّة.  إذ كان ينبغي على حسن مكي أن يكون أميناً صادقاً في إيراد الوثائق التأريخيَّة كما هي حتى يستطيع طلاب المعرفة والأكاديميُّون أن يستعينوا بهذه المراجع وليس في أنفسهم شيئاً من حتى.  وإذا كان حسن مكي يفرض الرقابة على وثائق الأغيار فكيف نستطيع أن نجزم أنَّ ما أورده من وثائق الحركة الإسلاميَّة لم يتجاوز بها الحقائق والوقائع؟

على أيَّة حال، فقد جاء ميثاق الجبهة الوطنيَّة – الذي أراده الإسلامويُّون إسلاميَّاً خالصاً وعزل الشيوعيين، وحرص السيد الصَّادق المهدي على أن يظل فضفاضاً حتى يحتمل دخول الداخلين لكي يخوضوا مع الخائضين بشيء من الإنشاء كثير، ونصَّ الميثاق – على ما نصَّ – على "تدعيم الحكم الإقليمي بالجنوب وفقاً للمصلحة القوميَّة."  ثمَّ جاء "مقترحات (السيِّد) الصَّادق المهدي عن البديل" السياسي في كانون الثاني (يناير) 1974م في 26 صفحة.  فإنَّ الصَّادق المهدي لنثَّار باهر، حيث يتخطى تخوم النثر نفسه، وإنَّه لثرثار مكثار في كل شيء بغض الطرف عما – أو قل فيما – هو متحدِّث فيه أو عنه، وفوق ذلك كله رياضي ماهر في بعض ضروب الرِّياضة مما يقوم بها أبناء النبلاء والأمراء ولهم فيها من الولع شيء كثير.  مهما يكن من شأن الصَّادق نفسه، فقد ذكر سليل المهدي ثمانية أسباب أدَّت إلى فشل النظام الحزبي قبل انقلاب أيار (مايو) 1969م.  بيد أنَّ الذي أثار حفيظتنا ما أورده أنَّ "مما أودى بفاعليَّة الحكم في ظل النظام المذكور أنَّ البريطانيين قد احتاطوا ضد عهد الاستقرار الذي حسبوه سينجم عن تولي القيادات للحكم مع فقدانها للتجارب والاستعدادات بأن أقاموا حماية دستوريَّة منيعة لكل أجهزة الدولة الحساسة كالقضاء والجَّيش والخدمة المدنيَّة والجامعة (جامعة الخرطوم)، فكانت هذه المؤسسات تعمل كافتها مستقلة تمام الاستقلال عن القيادات السياسيَّة، وأدَّى هذا الموقف إلى إضعاف الحكم كثيراً، وإلى عدم تناسق هذه الأجهزة واسترشادها بخط وطني عام."(88)  هذا هو السيِّد الصَّادق المهدي الذي أمسى يكيل النَّقد بعد النَّقد على نظام "الإنقاذ" لأنَّه تغوَّل على استقلاليَّة القضاء والقوات المسلَّحة والشرطة والسجون وقوات حرس الصيد والخدمة المدنيَّة والجامعات – لا جامعة واحدة – وهلمجراً، وأحدث ما حدث في هذه الأجهزة من فصل وتشريد للكوادر الفنيَّة والأكاديميَّة وضباط القوات النظاميَّة وملاحقتهم في معاشهم ودنياهم، حتى أفضت هذه السياسات إلى هجرة الأدمغة من السُّودان.  كذلك هذا هو السيِّد الصَّادق المهدي الذي عاد ووافق ووقَّع على الشروط السَّبعة – كما جاء في مطالعات الشريف حسين الهندي حول نميري والمهدي والترابي والمصالحة – لتبدأ وساطة رجل الأعمال السُّوداني فتح الرحمن البشير في مدينة بورتسودان.  فما هي هذه الشروط السَّبعة التي أملاها الرئيس نميري على حفيد المهدي؟  هذه الشروط هي خلاصة ما كانت الجَّبهة الوطنيَّة "تعارض من أجله ثماني سنوات، وهي الموافقة على الدستور الحالي، والموافقة على الجمهوريَّة الرئاسيَّة، والموافقة على الولاية الثانية للرئيس جعفر (محمد) نميري واستمرارها، والموافقة على الاتحاد الاشتراكي بشكله وبتكوينه الحالي، والموافقة على اتفاقيَّة أديس أبابا، والموافقة على عمل القوات المسلَّحة في السياسة، والموافقة على السياسة الخارجيَّة والاقتصاديَّة كما هي مُطبَّقة حاليَّاً."(89)  فكان هذا هو السيِّد الصَّادق المهدي الذي قال عنه الشريف حسين الهندي إنَّهم جعلوه رئيساً لجبهة المعارضة لأنَّه لا يستطيع أن يعمل في الحكم أو المعارضة إلا إذا كان رئيساً.  وهذا – وثمة أشياء أخر – مما دفع صهره، أي الدكتور حسن عبد الله الترابي، أن يقول لا ندري علام كان يعارض السيِّد الصَّادق المهدي؟

ثمَّ نعود إلى حسن مكي.  ففي الندوة التي دعا إليها الدكتور الفاتح محمد علي مدير جامعة الزعيم (إسماعيل) الأزهري ألقى حسن مكي ندوة حول فصل جنوب السُّودان والأبعاد التي يمكن أن تترتَّب على ذلك.  فماذا قال حسن مكي في هذه المحاضرة؟  قدَّم حسن مكي سرداً مطولاً حول المشكل السُّوداني وتناول الأمور والأحداث المتعلقة بالموضوع، موضحاً الأسباب التي ساعدت على تمرد أهل الجنوب، والأخطاء الإستراتيجية التي ارتكبت وخلقت الفجوة والفراغ الحالي بين أهل الشمال وأهل الجنوب.  غير أنَّ الذي صعقنا ما ذكره حسن مكي بعد ذلك، واعتبره "أكبر المخاطر الإستراتيجية التي تهدِّد السُّودان الموحَّد، ذلك اللوبي الذي يشكله أبناء مناطق التمرُّد (النُّوبة والجنوبيين وأهل دارفور) في الدول الغربيَّة وأمريكا (الشماليَّة)، مما ساعد على تدويل المشكل."(90)  مهما يكن من الأمر، فقد تناسى حسن مكي أن يوضح دور الحكومات الشماليَّة المتتالية، وآخرها حكومة "الإنقاذ" ودور التيار العربي والإسلامي ذو الهيمنة السياسيَّة والسيادة الثقافيَّة والإستراتيجيَّة، مما أدَّى إلى ظهور تيار أفريقي يعمل بنظريَّة مقاومة الهيمنة ورفض التبعيَّة.  إذ يريد حسن مكي – ولكن هيهات – أن تكون هذه الحروب الأهليَّة سريَّة كسابقتها الأولى (1955-1972م)، حين لم يدر العالم يومئذٍ عما يجري في جنوب السُّودان، ولم ترغب الأمم المتحدة ومنظمة الوحدة الأفريقيَّة (الإتحاد الأفريقي حاليَّاً) أن تتدخَّل، ولم تكن تسمح الحكومات السُّودانيَّة المتعاقبة حتى لدول الجوار أن تعرف ما تُنتهك في جنوب السُّودان من حقوق الإنسان ضد مواطني الجنوب من المدنيين.  وكانت النَّافذة الوحيدة الضيِّقة التي منها كانت تتسرَّب "أهوال الحرب وطموحات السَّلام" من جنوب السُّودان هي النشرة الإخبارية – الستار العشبي (Grass Curtain) – التي كان يصدرها مكتب حركة تحرير جنوب السُّودان في لندن.(91)  فليس اليوم كالأمس، وأبناء الهامش السُّوداني في العالم اليوم بلغوا قمم العلم وأخذوا بناصيته، وهم – بعد ذلك – أمسوا القلوب النَّابضة إعلاميَّاً لقومياتهم خارج السُّودان.  فتحرَّك أهل الجنوب والنُّوبة قبل سنوات، والآن يمضي أهل دارفور في سبيلهم لعلَّهم يفلحون. 

ثم يمضي حس مكي – وهنا تطفح عنصريَّته بصورة صارخة واضحة – ذاكراً "بأنَّه لا يستبعد أن يشكِّل الجنوبيُّون والقبائل الغربيَّة (النُّوبة وأهل دارفور) شرطة الخرطوم في المستقبل القريب، مدللاً ذلك بالأرقام والإحصائيات التي ذكرها في النمو السكاني بولاية الخرطوم في العشر سنوات الأخيرة؛ فقد تناول القبائل التي تقطن الخرطوم حاليَّاً بالأرقام والنسب المئويَّة من حيث التكاثر ولاستقرار، وذكر أنَّ الجنوبيين والقبائل الغربيَّة والنُّوبة زيادتهم نسبة 100% في السنوات العشرة الأخيرة (...) وغالبيتهم يشكِّل السلك الشائك حول الخرطوم (...)."(92)  ويقول حسن مكي – في تحليله الإحصائي في زيادة النمو السكاني في السنوات العشرة الأخيرة – إنَّ زيادة الشماليين لا تتعدَّى ال25%، وذلك لهجرة معظمهم خارج السُّودان وإلى الدول العربيَّة بصفة خاصة، وذلك لطموحهم وبحثهم لتحسين سبل الحياة لهم ولأهاليهم، مما يتيح الفرصة للذين لا يستطيعون السفر للاستقرار، وبالتَّالي الزيادة في النمو.  إنَّ هذا النمو السكاني الأفريقي لظاهرة إلهيَّة – أو قل إرادة الله في الأرض، وينبغي ألا يتصايح حسن مكي ضدها، بل عليه الإيمان بها؛ أفليس هو من المؤمنين بقضاء وقدر الله؟!  إذ نجد أنَّ الإنكليز إبَّان نظام أوليفر كرومويل العسكري (1599-1658م) استعمروا أيرلندا واستقدموا عائلات انكليزيَّة وأسكنوهم في أيرلندا الشماليَّة بغية زيادة الوجود الإنكليزي في المنطقة.  فقد فات عليهم أنَّهم – أي الإنكليز أنفسهم – من طائفة البروتستانتيين الذين يؤمنون بتحديد النسل، وإنَّ الأيرلنديين من الكاثوليكيين على النقيض من ذلك، وفي ناهية الأمر زاد الأيرلنديَّون بنسبة عالية، وبذلك أخفق الإنكليز الذين كانوا يودون تغيير الخارطة الديموغرافيَّة لهذه المستعمرة عن طريق التكاثر، لذلك كان على الغلاة الإسلامويين في السُّودان أن يرضوا بنتيجة اللعبة القادمة وما تصاحبه من الحتميَّة الديموغرافيَّة.

لا شك في أنَّ التخلُّف الضارب بجذوره في جميع ميادين التنمية يتراكم، فيثير يأس سكان الريف السُّوداني، وبخاصة الشباب وأصحاب المهارة الذين يسعون حثيثاً إلى النزوح الداخلي أو الهجرة الخارجيَّة كسبيل وحيد لحل مشاكلهم.  ولا مُراء أنَّ أولئك وهؤلاء قد نزحوا إلى الخرطوم نسبة للحروب التي استعرت نيرانها في الجنوب وجبال النُّوبة ودارفور أخيراً بسبب سياسات الدولة المركزيَّة، وبخاصة حكومة "الإنقاذ" التي ينتمي إليها حسن مكي منظِّراً ومؤطِّراً ومؤرِّخاً.  ولا شك في أنَّ النزوح الداخلي تلقاء الخرطوم نتج بعد أن أخفقت الدولة في إخماد الصراعات القبليَّة في ربوع السُّودان أو ساعدت في تأجيجها لخدمة أغراضها السياسيَّة ما ظهرت منها وما بطنت.  ثم لا ريب في أنَّ الزحف البشري نحو الخرطوم قد حدث حين فشلت الأنظمة الحاكمة والمتعاقبة على سدة الحكم في توفير مياه الشرب في الأقاليم الدانية والقصيةَّ، وانعدام التعليم في بعضها، وفقدان الخدمات الصحيَّة، وانتشار المجاعات وغيرها.  لذلك اتجه أهل الأقاليم من تقاسيم السُّودان المختلفة صوب مدينة الخرطوم التي هي عاصمة السُّودان "القوميَّة"، وكل سوداني له الحق – الحق كله – في أن يقيم بها.  بيد أنَّ الأمر قد تطوَّر بصورة مأسويَّة ومزرية في منطقة الدروشاب شمال بالخرطوم بحري، حيث قامت قوات من الشرطة والجَّيش في آب (أغسطس) 1994م، وذلك بالتَّنسيق والتحريض من رئيس اللجنة الشَّعبيَّة وعضو المجلس الانتقالي الأستاذ حسن نور الدين، بمداهمة المنازل في وضح النهار، وأُخِذ أي جنوبي يجدوه عنوة إلى لواري وشاحنات أُحضِرت خصيصاً لهذا الغرض.  وقد شملت الحملة العجزة والأطفال والنساء، ولم يستثن المستأجرين أو ملاك المنازل أو العاملين في أجهزة الدَّولة من عمال وموظَّفين وعسكر.  إذ أُخِذت هذه الجموع وأُلقيت بهم في منطقة صحراويَّة نائية بغرب أم درمان، لا ماء أو مأوى ولا خدمات أو رعاية، وقد توفَّى من جراء هذا العمل الإجرامي 42 طفلاً.  إنَّ هؤلاء الأشخاص هم في الأساس من البسيطين الصَّادقين، الذين يحلو للظالمين أن يتَّهموهم بكل شيء، بكل فساد وكل جريمة وكل موبقة، لاصقين بهم ظلماً ما يكونون هم – في الحقيقة – مقترفوه.  ثمَّ إنَّهم لمن الكادحين المقيمين في أطراف مدن العاصمة، والذين يسعون لأمور هم غير مدركيها، وإنَّهم ليعيشون في شح الحال والأمل المفقود، وكثيراً ما يتمثَّل الناس قول أحد الشعراء في عصر قبل الإسلام:

والمرء يسعى لأمر ليس يدركه             والعيش شحٌ وإشفاق وتأميل

هذه الدراسة التي قام بها حسن مكي، والتي استهدفت رسم صورة عن أوضاع الشباب السُّوداني في عقد التسعينيَّات من القرن الماضي والتي جاءت بعنوان "اتجاهات النمو السكاني في السُّودان"، نشرتها مجلَّة "دراسات إفريقيَّة".(93)  والمثير في الأمر أنَّ معد الدراسة هذه – أي حسن مكي – هو كان عميداً للمركز المشار إليه في السياق حينها.  ففي هذه الدراسة أرجع حسن مكي مشكلات السُّودان العامة وأسباب تدني الأحوال المعيشيَّة للسكان إلى "أنَّ معدَّل النمو السكاني أعلى بكثير من معدل النمو الاقتصادي، وبالتَّالي فإنَّ الفجوة تتسع باستمرار ما بين تطلعات الناس ومعدلات النمو الاقتصادي مستعيناً بإحصاء بياني عن معدَّلات النمو السكاني خلال الفترة من 1956-1992م."  وقد قسَّم حسن مكي المجتمع الشبابي السُّوداني إلى ثلاثة قطاعات: مجتمع شبابي وليد ظروف الحرب، ومجتمع شبابي حضري، ومجتمع شبابي ريفي، مضيفاً "أنَّ الخرطوم قد فازت بالعدد الأكبر من قطاع الشباب وليد ظروف الحرب والاضطراب الأمني والجفاف والتصحر، مما أدى إلى تشوهات معماريَّة واجتماعيَّة وسلوكيَّة."  وفي نظرة استشرافيَّة لمآلات السُّودان المستقبليَّة من واقع النمو السكاني واتجاهات الشباب قال حسن مكي في سياق تراجيديا تحذيريَّة: إنَّه "حينما استقل السُّودان كانت الخرطوم الكبرى مدينة عربيَّة الملامح، ولكنها اليوم وبعد أربعين عاماً من الاستقلال أصبحت مدينة إفريقيَّة، كما أصبحت متعدِّدة الديانات: إسلام، مسيحيَّة، ومعتقدات إفريقيَّة؛ ومتعددة اللغات: عربيَّة، لهجات إفريقيَّة، والعربيَّة المحليَّة."  لذلك وصفه مأمور أوول مأمور جوك بأنَّه يكتب كتبه "بفكره المعوج، وقلمه المسموم، وأسلوبه الوقح الردئ (...)."  ويضيف مأمور أنَّ مثل تلك الدراسات هي "من قبيل دس السم في الدسم، وعلى سبيل التدليس والتلبيس على كل من تقع يده على (كتبه العليلة)"، وهذه الدراسات الهشَّة هي التي درج على نشرها حفنة من كتَّاب ونخب "السُّودان القديم" بمختلف تخصصاتهم المهنيَّة، وألقابهم العلميَّة، وظلوا – بهذه الدراسات – يمارسون التفريق بين المواطنين السُّودانيين على أساس الدين أو العرق أو الانتماء الفكري.  أولئك هم الذين "بدت العداوة البغضاء من قلوبهم وأفواههم"، فإنَّما يستفزون بفعالهم القميئة تلك الضمائر الحيَّة والنفوس الأبيَّة، ويودون من ذلك إفساد ذات بين الأشقاء، وبذر بذور الفتنة والشقاق في تربة الوطن المعافاة من الأدران، من خلال إيقاظ النعرات القبليَّة والطائفيَّة، وإيغار الصدور على بعضها بعضاً.(94) 

بيد أنَّ أخطر ما جاء في كتاب "الحركة الإسلاميَّة في السُّودان (1969-1985م)" وفي باب الملاحق والوثائق ورقة الجنوب التي أجازها مكتب الحركة الإسلاميَّة في 26 تشرين الثاني (نوفمبر) 1979م، وقد انبنت إستراتيجية الحركة الإسلاميَّة في هذه الورقة على "إمكانيَّة قيام دولة إسلاميَّة في إطار سودان موحَّد برغم التباين الديني والثقافي والعرقي بين الشمال والجنوب".  وأهم ما جاء في الورقة ما يلي:

(1)   تقوية الوجود الإسلامي.

(2)   تحييد القيادة الجنوبيَّة بالنسبة لمد الثقافة العربيَّة والوجود الإسلامي.

(3)   تفادي الدخول في مواجهات مع الحكومة الإقليميَّة أو السلطات المحليَّة أو حتى مع المنظَّمات الكنسيَّة.

(4)   قوميَّة العمل، بحيث يصبح الهم التمكين للإسلام وليس بناء تنظيم للإخوان، والتعاون في ذلك مع الحكومة والتيار الإسلامي العام والدول العربيَّة الراغبة.

وبرغم من أنَّ عنوان الورقة – "نحو معالجة حضاريَّة شاملة لمسألة الجنوب"، بعد البسملة طبعاً – إلا أنَّ الشياطين تكمن في التفاصيل، أو كما يقول أهل الفرنجة (The devils are in details).  ففي "التعبئة الثقافيَّة والإعلانيَّة" حثَّت الورقة – على ما حثَّت – على "وضع خطة للتوطين والإسكان، تتماشى مع التغييرات الاجتماعيَّة التي ستصاحب إكمال قناة جونقلي، والتي ستؤدِّي إلى ظهور القرى ذات الأعداد الكبيرة والمرتبطة ببعضها، كما ستؤدِّي إلى فتح الطريق أمام قبائل البقارة وغيرها للجنوب، حيث يمكن توطينهم."  وتوصي الورقة على "إعادة السلاطين المسلمين لمواقعهم وإعادة تسليحهم وضمان حمايتهم"، و"تشجيع البنوك الإسلاميَّة على فتح مصارف لها بالجنوب للنهوض بالمسلمين اقتصاديَّاً"، و"معاملة المنظمات الإسلاميَّة كوكالة الإغاثة ومنظمة الدعوة (الإسلاميَّة) وهيئة إحياء النشاط (الإسلامي) كمنظمات ذات طابع استراتيجي، وتمنح ذات مزايا أجهزة الأمن والقوات المسلَّحة."  وتستوي الأحزاب الطائفيَّة (الأمة والاتحادي الديمقراطي) في أمر الأسلمة والتَّعريب والانصهار في الثقافة العربيَّة-الإسلاميَّة المسيطرة.  إذ تبدو هذه السياسات واضحة في تأليفات السيد الصَّادق المهدي – وهي كثر، وبرامج هذين الحزبين السياسيَّة.

ومن بعد، علينا أن ننظر إلى الوراء عبر القرون لنبحث عن مثال لأمة إفريقيَّة ناضلت ضد أخرى عربيَّة، مهما كانت درجة عروبتها.  إذ أنَّه حين نشبت الحرب الأهليَّة العام 1955م ظن كثر من الشماليين العرب أنه لا يمكن أن يصمد هؤلاء الجنوبيُّون ويحاربوا أنظمة الخرطوم طيلة هذه السنوات، لكنَّهم أثبتوا للسُّودانيين خاصة والعالم عامة أنَّهم فعلوا ذلك، حتى جاءت الاتفاقيَّة وفيها تنازل الشماليُّون عن فرض فكرة الانصهار الكامل لأهل الجنوب بقوة السلاح، وتنازل الجنوبيُّون عن رغبة الانفصال، وذلك من أجل الحكم الذاتي الإقليمي.  وقد تنبأ أحد الكتَّاب يومئذٍ أنَّ أهل الجنوب – الذي فيه استفحل الموت – قد أثبتوا أنَّهم برغم التدريب العالي للجَّيش الحكومي، الخبرات العسكريَّة، التَّعليم والأسلحة الحديثة، إلا أنَّهم وقفوا سداً منيعاً ضد هيمنة أهل الشمال في حرب عصابات طويلة، وينبغي أخذ هذه التجربة في الاعتبار، حتى إن لم يكن الطرفان متساويان في المهارات القتاليَّة والفنيَّة.  لكن قد يأتي يوم تتساوى فيه هذه المهارات، وبخاصة إذا نقض أهل الشمال العهود والمواثيق، وتتجدَّد الحرب ضد أهل الشمال بدعوى انفصال الجنوب.  وقد تحقَّق هذا التنبؤ العام 1983م، وإن لم تكن الحرب حينئذٍ بدعوى انفصال الجنوب، ولكن قد يقود الاستفتاء بعد الفترة الانتقاليَّة العام 2011م إلى ذلكم الانفصال إن لم يحسن القادة في الشمال سياساتهم الوطنيَّة، ولم يستثمروا عوامل الوحدة الجاذبة.



تجارة الرِّق: أشباح صامتة في جنازة الذاكرة

العبوديَّة هي نوع من الأشغال الشاقة القسريَّة طوال الحياة للعبيد، حيث يعملون بالسخرة القهريَّة في الأعمال الشاقة والحروب، وكانت ملكيتهم تعود للشخوص الذين يستعبدونهم.  وكانوا يباعون بأسواق النخاسة، أو يشترون في تجارة الرقيق بعد اختطافهم من مواطنهم أو يهدي بهم مالكوهم.  وممارسة العبوديَّة ترجع لأزمان ما قبل التأريخ عندما تطوَّرت الزراعة بشكل متنام، فكانت الحاجة ماسة للأيدي العاملة، فلجأت المجتمعات البدائيَّة للعبيد لتأدية أعمال تخصصيَّة بها.  فالعبوديَّة إذن شر لا يمكن الدفاع عنه مهما كانت دواعي استخدامها لما فيها من إهانة لكرامة الإنسان وتدنيس لآدميَّته.  بيد أنَّه بهذه العقليَّة اللاعقلانيَّة حاول حسن مكي أن يجد المعاذير – بمنطق مأزوم عليل مقعد بالكراهيَّة ضد الأغيار – لتجار الرق في أفريقيا في القرن التاسع عشر الميلادي، حيث نعتهم ب"الرحالة والتجار العرب".  فقد حان الوقت لإبراز الحقائق وسط طوفان المبالغات والترهات "المكيَّة" التي ما أنزل الله بها من سلطان، وتحرير الشخصيَّة السُّودانيَّة من اسقاطات حسن مكي وتأويلاته العنصريَّة؛ لذلك جادلنا في هذا ما وسعنا الجدال في سفر نُشِر لنا العام 2006م بلندن.(95)  وتبدو هذه النزعة العرقيَّة غير العقلانيَّة القاسية والوقائع المزيَّفة فيما يكتبها حسن مكي في الكتب المنشورة، ويتلفَّظها في المنابر العامة، وآيات ذلك خطيرة في منتهاها، لأنَّها تعمل في الأدمغة، وتنخر في العظام، وتنذر بعواقب وخيمة.

بيد أنَّ حسن مكي قد عاد في موضع آخر وكتب: "أمَّا تجارة الرقيق في شرق أفريقيا والسُّودان وغيرها فلا علاقة لها بالثقافة الإسلاميَّة، وجاءت من منطلقات تجاريَّة من تجار وحوش خارجين على دينهم وعلى الإنسانيَّة."  وهو – أي حسن مكي – كان قد كتب في عرضه لمعجم البلدان لياقوت الحموي: أنَّ "الفائدة في نظام الرق في الإسلام أنجب حكاماً وكتَّاباً وعلماءاً كياقوت الحموي والجاحظ والمماليك الذين حكموا مصر والشام ثمانمائة سنة، وجاء الإسلام ليبطل الرق، ولم يشرع الرق؛ وإنَّما دفن منابعه، وفي الطريق إلى تجفيف المنابع برزت عظمته، حيث يصير العبد كاتباً عظيماً أو ملكاً."(96)  إن لم يكن لهؤلاء التجار النخاسين في شرق أفريقيا والسُّودان أيَّة علاقة بالثقافة الإسلاميَّة فهل يعني هذا أنَّ لهم علاقة بالثقافة العربيَّة؟!  فهل كانت لعبد الله بن سعد ابن أبي سرح ثقافة غير تلك الإسلاميَّة-العربيَّة حين وقَّع على اتفاقيَّة البقط، ونصَّت الاتفاقيَّة – على ما نصَّت – على إرسال 360 من الرقيق إلى دولة الخلافة الإسلاميَّة في بغداد، و40 آخرين إلى حاكم أسوان المسلم؟! وهل كانت لسلاطين مسقط وعمان العرب في جزيرة زنجبار ثقافة غير الإسلاميَّة-العربيَّة؟!  وهل كانت للزبير باشا رحمة وابنه سليمان وآخرين ثقافة غير تلك الإسلاميَّة-العربيَّة؟!  وهنا تجدر الإشارة إلى أحمد دفع الله صاحب المزارع حول مدينة الأبيض، وكان يقود جيشه من العبيد والأقارب مثل الحاج عبد الله دفع الله.  وكان هناك علي كنونة شيخ الغديَّات في كردفان، والياس أم برير وهو كان من الجعليين، والذي خلق تحالفاً مع بدوي أبو صفيَّة، والأخير من عائلة  الفقراء (الفقهاء) في الأبيض وكانوا كلهم أجمعون أبتعون يغيرون على النُّوبة ويتاجرون بالرقيق منهم في الثلاثينيَّات من القرن التسع عشر الميلادي.  ثمَّ تحالف أحد أبناء أبو صفيَّة وهو كان يُدعى عبد الصَّمد مع أحد زعماء الغديَّات وكان اسمه إسماعيل الأمين، وتبارا في اصطياد الرقيق في جبال النُّوبة، وفي ذلك تنافس المتنافسان؛ إنَّهم لعرب مسلمون، وإنَّ ثقافتهم لإسلاميَّة-عربيَّة.

وكان سليم أغا واحداً من هؤلاء الأرقاء الذي اختطفه النخَّاسون العرب من مملكة تقلي في جبال النُّوبة وكان عمره حينئذٍ ثمان سنوات، وتمَّ بيعه في مزاد علني في القاهرة - حاضرة مصر – أي على بعد 2,000 ميلاً من موطنه الأصلي.  إذ تمَّ تسويقه – على الأقل – ثمانٍ مرات قبل أن ينقذه من العبوديَّة القنصل البريطاني في الإسكندريَّة – روبرت ثوربورن – الذي أصطحبه إلى ديار أسرته في مقاطعة أبردين بإسكوتلاندا العام 1836م.  استغل سليم أيَّة فرصة للتعلُّم، واجتهد وكدَّ في أول الأمر حتى أمسى شاعراً مرهف الحس، وكاتباً مرموقاً، وداعية لإلغاء تجارة الرِّق، ومحاضراً ورحَّالة في نهاية الأمر؛ وكان خادماً للسير ريتشارد بيرتون في أسفاره – أو قل في مغامراته - في غرب إفريقيا.  ألم أقل لكم من قبل إنَّ بعضاً من هؤلاء الأرقاء بلغوا شأواً عظيماً بفضل معدنهم الفولاذي الذي لم يلن!  ذلكم هو سليم التقلاوي، وهو كان قد وُلد العام 1827م ومات العام 1875م في الحرب الأهليَّة في ليبيريا.(97)  ومثلما عانت بخيتة الداجويَّة (من قبيلة داجو بدارفور) من آثار الاسترقاق حتى أصبحت راهبة في إيطاليا، تعرَّضت زينب ألف (1845/1846-1926م) وأخويها لنفس النكبة حين تم اختطافهم العام 1853م من جبال النُّوبة بواسطة صيادي الرقيق من العرب، وعلى ظهور جيادهم هربوا بهم.  فقد تعرَّضت زينب لمحاولة الاختطاف من قبل، ولكنها أُسعِفت بواسطة أهليها الذين أسرعوا لنجدتها في الوقت المناسب، إلا أنَّهم أخفقوا هذه المرة.  على أي، فقد تم بيع زينب وأخويها في إحدى أسواق النخاسة ولعله الأبيض أو أم درمان أو شندي من يدري.  وهنا افترق الأخوة وانتهي الأمر بأخويها كما انتهى الأمر بغيرهما من الأرقاء في الشرق أو الغرب أو الموت في الطريق، وهكذا لم يسمع عنهما التأريخ ولم يحفظ لهما شيئاً ولم يسجِّل عنهما قليلاً، ولكن كان التأريخ قاسياً حافظاً لذكرى زينب ليصبح لها شأن في عالم آخر وثقافة أخرى وديانة أخرى.  فقد أُعيد بيع زينب من مالك لآخر في القاهرة حتى اشتراها الأب نيكولو أوليفيَّري والسيدة مادلينا بيسيو وهما كانا ينتميان إلى "مؤسسة الفداء لشراء وعتق الأرقاء"، وهي جمعيَّة خيريَّة إيطاليَّة كاثوليكيَّة.  وبما أنَّ عمليَّة الفدية كانت تحتاج إلى مساعدة ماليَّة لتسديد أسعار الرقيق وتحريرهم وتكاليف رحلتهم إلى أوربا، بالإضافة إلى قيمة إيجار مسكن مناسب ونفقات تعليمهم، لذلك أنشأ الأب أوليفيَّري هذه المؤسسة لشراء وعتق الأرقاء، الذين لا شك فيهم أنَّهم كانوا من جنوب السُّودان وجبال النُّوبة وجنوب النيل الأزرق ودارفور.  وكانت تتكوَّن هذه المؤسسة من المسيحيين المخلَصين الذين كانوا على استعداد للمساعدة في هذا المشروع التطوعي الإنساني ابتغاء مرضات الله.  وسافرت زينب من القاهرة إلى الإسكندريَّة إلى روما عن طريق مارسيه في فرنسا، حيث انتهت بها الحال إلى أن تصبح الرَّاهبة ماري جوزيفين بينفينوتي.  هذه المآسي هي ما سميناها أشباحاً صامتة في جنازة الذكرى (Silent spectres at the funeral of memory)، أو ما نعتها الأديب جبران خليل جبران ب"صراخ القبور" أو "الأرواح المتمرِّدة".

وقد أحدثت أخبار وصول القس الإيطالي دانيال كمبوني إلى كردفان ذعراً وسط تجار الرق، لأنَّهم أدركوا أنَّ عمله لم يباركه الخديوي في مصر فحسب، بل طلب منه إعداد خطة لإلغاء الاسترقاق.  إذ كتب كمبوني أنَّ سكان جبال النُّوبة قد أُبيدوا بواسطة العرب البدو، وانخفض تعداد السكان من نصف مليون إلى 50,000 نسمة، ولم تحميهم منهم إلا تلك الجبال.  فما من منطقة سافر إليها القس كمبوني في جبال النُّوبة، إلا وسمع تفجُّع وشكاوي الأهالي من غارات النخاسين.  فقد حارب النُّوبة وسط هذه الجبال يذودون عن شرفهم وأنفسهم وأعراضهم وأموالهم، فسقط بعضهم قتيلاً وجريحاً، وأُسِر البعض الأخر رقيقاً؛ وكان لسان حال الذين سقطوا منهم قتلى يقول: "يا أيُّها المار هنا، أذهب وقل لأهل النُّوبة في الجبال إنَّه لمن أجل السمع والطاعة لأعرافنا وتقاليدنا، تجدوننا نرقد ها هنا!"  أي كما قال الشاعر المعاصر سيمونيديس في الدوبيت الرثائي على قتلى فرسان سبارتا في موقعة ثيرموبايلي بواسطة الفرس العام 480 ق.م.، والذي وصفه روسكين بأنَّه أنبل نقش على الضَّريح يُكتَب بواسطة إنسان.  وقد توَّج القس كمبوني جهوده الكنسي ببناء إرساليَّة الأبيض العام 1872م، وتبعتها إرساليتان في جبال النُّوبة هما إرساليَّة الدَّلنج العام 1874م وملبس العام 1876م، وفيهما كان القساوسة والراهبات يعلِّمون الأطفال الصغار مبادئ القراءة والكتابة، والناس الكبار السبل الأفضل للحياة.  وعند بزوغ الثورة المهديَّة تم تدمير إرساليَّة الدَّلنج وأُسِرت راهبتان كانتا تعملان فيهما، ولقيتا مصرعهما من جراء سوء المعاملة من جيوش المهديَّة، ومن الإرهاق في الزحف نحو الأبيض.  وفي مدينة الأبيض ذاتها أُسِر المبشِّرون وكانت الراهبة فورتوناتا كواسيه إحدى الأسيرات التي تمَّ أسرهن.  وهي كانت عبدة سابقة من جبال النُّوبة، وتم تدريبها كمعلِّمة بعد تحريرها، وأمست راهبة في إرساليَّة كمبوني بالأبيض.  وقد أراد الخليفة عبد الله التعايشي أن يقتنيها بنفسه لنفسه، وشرع في التحقيق معها شخصيَّاً، وحاول إدخالها في الإسلام، حيث رفضت وفضَّلت البقاء على المسيحيَّة، التي قالت عنها إنَّها تلقَّت كثراً منها، وأخيراً عثرت على الحقيقة.  فقد جلب هذا العناد والتعنت عذاباً تلظَّى منه فورتوناتا من ربط وضرب بواسطة خدم الخليفة وأشياء أخر، وبخاصة حين علم القوم – بعد استجوابها – أنَّها عذراء.

وكان يمر الرقيق من جبال النُّوبة عبر مدينة الأبيض بمعدَّل 10,000-12,000 مسترقَّاً كل عام، وبخاصة حين تُصدَر التعليمات السنويَّة للجَّيش التركي-المصري في حامية الأبيض بالقيام بالغارات من أجل صيد الرقيق في جبال النُّوبة.  وكانت هذه الغارات تتم في الفترة بين أيلول (سبتمبر) وتشرين الأول (أكتوبر) من كل عام.  وكما ورد في بعض السجلات التأريخيَّة أنَّه في إحدى هذه الغارات في الثلاثينيَّات من القرن التاسع عشر الميلادي بقيادة حاكم كردفان – مصطفى بك – قبضوا على 2,187 مواطناً من النُّوبة، كان أغلبهم من الأطفال والنساء.  وكانت إبادة السكان، وبخاصة أولئك الذين يستبسلون ويستشهدون دفاعاً عن ديارهم وأسرهم، تعني شح الموارد البشريَّة للتجنيد في الجَّيش التركي-المصري.  وعندما أمر محمد علي باشا – خديوي مصر – حاكم مديريَّة كردفان أن يساهم بعدد 5,000 عبداً سنويَّاً، لا ريب أنَّ المستهدفون من هذا الأمر الباشوي هم النُّوبة في جبال النُّوبة.  وخير شاهد على إحدى هذه الحملات هو بالمي، الذي رافق الحملة، وذكر أنَّ الجيش كان يتكوَّن من 2,400 من المشاة، 750 من العرب البدو على ظهور الجياد – "الجنجويد" بلغة اليوم – 200 من رجال الخيالة الاحتياطي، 3,000 من راكبي الإبل، 1,200 من بعض المرغمين المسلحين بالحراب والدروع.  وقد استسلمت أول قرية أمام هذا الجيش، حيث بقي فيها 196 شخصاً فقط من جملة 3,000 نسمة في بداية الحملة التركيَّة-المصريَّة العام 1820م.  وفي قرية أخرى انخفض تعداد سكانها من 500 إلى 188 فقط، وقد امتلأت كل قطيَّة (منزل) بجثث الكهول والشباب على السواء، الذين سقطوا قتلاً بالسيوف في هذه المعارك غير المتساوية، أو اختاروا الموت طواعياً لاجتناب المصير المقيت في الأسر.  هذا تماماً ما أقدم عليه مواطنو إحدى الجزر في البحر الكاريبي في القرن التاسع عشر الميلادي حينما فضَّلوا الانتحار الجماعي بأن ألقوا بأنفسهم كلهم أجمعون أكتعون في المحيط الأطلسي من أن يعشوا صاغرين تحت وطأة الاستعمار الفرنسي، وهذا ما فعلته نساء الجعليين عندما فضَّلن الانتحار الجماعي من الاغتصاب وسوء المنقلب بواسطة جيوش المهديَّة في القرن التاسع عشر الميلادي.  مهما يكن من شيء، فإنَّ جماعة من النُّوبة في قرية جبليَّة – وهي مسلَّحة بالحراب فقط – استطاعت أن تصد هجوم هذا الجيش التركي-المصري الرهيب المرعب.  إذ فقدت المنطقة حوالي 150,00 شخصاً في الفترة الممتدة بين 1820-1835م برغم من بعض نجاحات النُّوبة النسبيَّة في رد العدوان الغشوم العام 1838م، إلا أنَّهم فقدوا من الأرواح كثراً في نهاية الأمر.(98) 

ويسألونك عن الجنوب فقل كانت منطقة بحر الغزال مرتعاً مروعاً لتجار الرقيق يصيدون أهل الجنوب كأنَّهم حمر مستنفرة.  ففي شرق بحر الغزال كان يسود التجار الأوربيُّون أمثال جون بيثيريك، الفونس دي مالازاك، والأخوان أمبروز وجولس بونسيت.  أما المنطقة الوسطى والغربيَّة من بحر الغزال فكانتا من نصيب قوة متعددة الجنسيات من غير الأوربيين، ومنهم علي أبو عموري – كفيل الزبير باشا رحمة في هذه التجارة النحسة – الذي أنشأ زريبته وسط قبيلة "بونغو"، قناوي وهو مصريَّاً كان وقد شيَّد مستوطناته على امتداد الأراضي حتى نهر ويلي في الكونغو، وبصيلي الذي أقام سلسلة من الزرائب وسط أراضي "كريش" و"قولو".  ثم كان هناك تجار آخرون في المنطقة وهم إخوان العقاد، كشوك علي، إدريس ود دفتار، وأرباب الزبير عدلان.  وفي السودان الحديث أفرزت السيطرة السياسيَّة والغارات من أجل الاسترقاق في الماضي مفردات عنصريَّة للتحقير في غاية القساوة من قبل أهل الشمال ضد أهل الجنوب، وتعزيز هذه الحال بافتراضات الدونيَّة والعلوية من منطلق المعيار الديني (الإسلامي) والمزاعم المسبقة أنَّ أهل الشمال يتحدَّرون من أصول شريفة.(99)  وفي الحق، فإنَّ الممارسات العنصريَّة ضد أهالي الجنوب – والنُّوبة على حدٍ سواء - من قبل رجال الخدمة المدنيَّة والتجار الشماليين العرب لم تجد حظاً من الدراسة في مجال العلاقات بين الشمال والجنوب ولا عند طلاب العلوم الإنسانيَّة في الجامعات والمعاهد العليا.  فلا شك في أنَّ أولئك وهؤلاء دوماً يشيرون إلى أهل الجنوب بالعبيد في احتكاكاتهم اليوميَّة بهم، وفي سبيل أداء خدماتهم التنفيذيَّة والأمنيَّة ومضاربتهم التجاريَّة وهلمجراً.  فقد أشار تقرير قطران عن أحداث توريت العام 1955م إلى هذا الأمر دونما الخوض في التفاصيل أو إعطاء أمثلة كثر.

والغريب في الأمر أنَّ حسن مكي لا يأخذ بالمسبِّبات في تفسيره للظواهر الاجتماعيَّة والمآلات السياسيَّة في أغلب الأحايين، بل يركِّز على النتائج، وهو نوع من البحث عجيب، حيث يخضع المعلومات لقراءات متعسِّفة ليصل إلى النتيجة المطلوبة، لا التوقع المحتمل.  ومنطق حسن مكي هذا يذكرنا بقول إحدى النساء في لندن حين كتبت في صحيفة يوميَّة تقول: إنَّ الرجل الأبيض ليس هو أول من مارس العنصريَّة ضد الإنسان الأسود، والعكس هو الصحيح.  إذ ذكرت أنَّ مئات الآلاف من الأفارقة السود كانوا قد انخرطوا في الجيوش الرومانيَّة منذ العام 43م، يضطهدون ويستعبدون الإنسان الأبيض في جميع أرجاء أوربا وبريطانيا لأكثر من 400 عاماً.  والإمبراطور الروماني سيبتيميوس سيفيروس إفريقيَّاً كان ثمَّ من ليبيا، وهكذا لم يكن الأفارقة تحت قيادة روماني أبيض.(100)  هذا منطق معوج لأنَّ كل الجنود الرومانيَّة كانوا أرقاء أجبروهم على الانخراط في الجنديَّة لصالح الإمبراطورية كرهاً ورهباً، وهذه هي الحال بالنسبة لمؤسسة الرق في السّودان حين أُجبر بعض العبيد في خدمة أسيادهم في الجيش الذي عرف بالبازنغر في العهد التركي-المصري (1821-1885م).

أما العبيد الذين بلغوا شأواً عظيماً فلم يكن ذلك بفضل العبوديَّة، بل كان ذلك من خلال صلابة معدنهم، وعصاميَّة نفوسهم التي سوَّدتهم وعلَّمتهم الكر والإقدام، وقوة تحملهم لأضراب العذاب بالحديد والنار والسياط والعصي، ومما كان يسومهم بهم أسيادهم من الخسف دون أن تلين قنواتهم (Men of an inflexible cast of character).  ألم تر كيف قال المتنبئ في حق كافور الإخشيدي:

لا تشتري العبد إلا والعصا معه             إنَّ العبيد لأنجاس مناكيد

والمتنبئ – بهذه المناسبة – هو أكثر شعراء العرب المحبَّبين لديهم، ليس لأنَّه كان يقرظ الشعر أو كان من فحول الشعراء فحسب، بل لأنَّه كان عنصريَّاً أثيماً، وقد نطق بما لم يكد يستطيع بعض العرب التفوه به شعراً وإن أتوا به فعلاً.  ومن كان له مثقال حبة من الشك فيما نزعم فعليه مراجعة قصائد المتنبئ في شخصيَّة كافور؛ فإن خص كافور بهذا الذم الذميم فكان يعني كل من كان لونه أسوداً، أو في مقام كافور.  أيَّاً كان من أمر المتنبئ وكافور، فإنَّ الأرقاء الذين لم تتحمل أجسادهم هذا العذاب البدني، ولم تقو عقولهم على هذا الشقاء النفسي قضوا نحبهم وأصبحوا عظاماً نخرة.  وأي فائدة في نظام يقوم على خصيان "السُّودان" كالثيران؟!  فهل سلم الذي اصطفاه الرسول عليه الصلاة والسَّلام مؤذناً كبلال بن رباح، أو الذين برعوا في الفن الغنائي كطويس وزرياب، أو برزوا في الشِّجاعة والشعر كعنترة بن شدَّاد العبسي، أو تفوَّقوا في اللغة والأدب كالجاحظ، أو حكموا ككافور الإخشيدي، هل سلم هؤلاء كلهم أجمعون أكتعون من عبارات السخريَّة، وآيات العنصريَّة، ولمز النَّفس، والتنابز بالألقاب!  فلم تأتيهم هذه العنصريَّة من المشركين الكافرين فحسب، بل حتى من بعض المسلمين القانتين إن لم يكن فعلاً فقولاً.  فها هو عبد الله بن مسعود ينزل بجوار أحدهم في المدينة بعد الهجرة من مكة، حتى قال حي منهم: نَكِّبْ عنا ابن أم عبد، كأنَّهم – أو قل لأنَّهم – كرهوا نزوله بينهم.  وأي تحقير وازدراء أكثر من الإشارة إلى النكبة – وهي المحنة والفجيعة – في مجاورة عبد الله بن مسعود لهم!  فلم يسلم بلال بن رباح حين زجره أحدهم بعبارة يا ابن السويداء (في إشارة إلى سواد لون أمه الحبشيَّة)، حتى صاح الرسول عليه الصلاة والسَّلام في وجه الباغي لقد طفح الكيل.  وقد سمعنا بعض أهل الجعليين الجاهلين في بلاد السُّودان يتندَّرون ببلال، وهم في هذا التندُّر وذاك التفكُّه لا يرضون أن يكونوا من المؤذِّنين للصلاة؛ إذ يقول قائل منهم إن كانت هناك ثمة فائدة لمهنة الآذان لما أُعطي لبلال، ذلك العبد الحبشي!  وكذلك كان خالد بن الوليد قد أغلظ لعمَّار بن ياسر في القول، وذكر والدته سميَّة التي كانت أمة لعمه أبي حذيفة، ووالده ياسر الذي كان حليفاً لعمه أبي حذيفة، وكانت في خالد بقيَّة من كبرياء مخزوم وكان فيه فضلٌ من صلف قريش.  وفي كل هذه الإساءات والإيماءات كان الرسول عليه الصلاة والسَّلام هو الذي يقف إلى جانب المقهورين المحقرين وينصفهم.  فلم ترض قريش بصهيب بن سنان مصلِّياً بهم حتى يختار أهل الشورى للمسلمين إماماً كما أمرهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين أحسَّ الموت.  وأنكر بعضهم إمارة الكوفة حين جعلها عمر بن الخطاب في يد عمَّار بن ياسر، وبيت المال في الكوفة تحت إمارة عبد الله بن مسعود، وضرب غلمان عثمان عمَّار بن ياسر حين ذهب إلى عثمان عن نفسه أو عمن وراءه من المسلمين ليحدِّثه برأي الناس في وُلاته.  فضربوه حتى غُشي عليه، وظنَّ الناس أنَّه الموت، ولكن عمَّاراً يفيق ويقول: طالما عُذِّبنا في الله من قبل فسوف لن أكون نصيراً للظلم.  ويُصبح منذ ذلك اليوم زعيماً من زعماء المعارضة لعثمان.  ويقودنا هذا الحديث إلى الفتنة الكبرى.  تُري ماذا يقول حسن مكي في هذه الفتنة؟

من خلال تناوله للفتنة الكبرى في سياق كتابته عن "استدعاء الذاكرة مع الطبري" يتساءل حسن مكي: "ولكن كيف أصبحت مصر وقوداً للثورة على سيدنا عثمان (بن عفان) وعلي مصر أكفأ قواده وأكثرهم ولاء له هو عبد الله بن سعد ابن أبي سرح؟"  ويمضي حسن مكي ويقول: "يربط الطبري ما بين الثَّورة وعبد الله بن سبأ اليهودي الأسود، حيث أنَّ أمه كانت سوداء، وكان قد نُفِى إلى مصر، بعد أن فشل في مشروعه للفتنة في الحجاز والبصرة والكوفة."(101)  تُرى كيف يربط حسن مكي بين اليهوديَّة الساميَّة والعرقيَّة الزنجيَّة، محاولاً إظهار مفاعيل اليهود التآمريَّة في كل شيء بحق أو بغير حق.  والإشارة إلى والدة هذا اليهودي المزعوم بأنَّها سوداء – بالطبع والطبيعة – من أفريقيا، مما يعني أنَّها جُلِبت رقيقاً، وإنَّ هذا اليهودي – كما يود حسن مكي أن يقول – هو إذن كان ابن عبدة من أرقاء أفريقيا ممن جلبهم تجار الرق من تخوم القارة السوداء.  هذا ما ألمح إليه حسن مكي في هذه العبارات، لكنه لم يملك الشجاعة الأدبيَّة ليوردها كاملاً، فقد حار وجار عن القصد، وتركها لأولي الألباب للتفكير والتقدير.  وهكذا يستعين حسن مكي بالاقتباسات فيأخذها ويستحسنها ويمزجها بكلامه، متوسِّلاً بالاستدلال بها إلى ترويج باطله.  وحين يقرأ الناس في نهاية شبابهم وأول كهلهم مثل هذا الكلام على صفحات كتابات حسن مكي وسط شعور بأنَّهم سيكتشفون من جديد أحداثاً خُيِّل إليهم أنَّهم عرفوها على حقيقتها وانتهى الأمر، وإذا بهم يتجرَّعون من مداد حسن مكي السم اليحموم.  ومن هنا – انطلاقاً من هذا السياق – فإنَّ نفحات يراع حسن مكي لمسموم، وذلك بما يعطي لنصوصه ذلك القدر الكبير من التلوين التأريخي والتلويث الأسلوبي في الأحداث المفصليَّة، حتى عندما يتوقَّف عند بعض اللحظات التأريخيَّة الأكثر رهافة وإثارة للتساؤلات.  فكل من درس التأريخ الإسلامي أو ألمَّ بطرف منه يدرك كيف استعرت الفتنة الكبرى في المدينة المنوَّرة، وذلك من تراكم الظلم الذي كان يعانيه رعايا الإمبراطوريَّة الإسلاميَّة في مصر، وبخاصة من وُلاة الخليفة عثمان بن عفان.  وكيف جاء وفد من أهل مصر إلى المدينة يطلبون الإنصاف، وكيف فعل بهم مروان بن الحكم كاتب الكتاب المدسوس، ثم كيف تسوَّر الثوَّار المصريُّون بأسوار بيت الخليفة عثمان الذي قُتِل فيما بعد.  هكذا نشبت الفتنة الكبرى، وبدأ الصراع سياسيَّاً بين علي بن أبي طالب رضي الله عنه ومعاوية بن أبي سفيان، ثم سرعان ما تحوَّل النزاع إلى عصبيَّة قبليَّة وشهوة نحو السُّلطة السياسيَّة.  ومن وُلاة عثمان هؤلاء عبد الله بن سعد بن أبي سرح الذي أصبحت سيرته في مصر موضع الشكوى بين المصريين كسيرة غيره من وُلاة عثمان في الكوفة (الوليد بن عقبة).  ويذكر أنَّ آية في القرآن قد نزلت أُشير فيها إلى عبد الله بن سعد ابن أبي سرح هذا الذي أُمِّر على مصر، وهي قول الله عزَّ وجلَّ: "من كفر بالله بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان، ولكن من شرح بالكفر صدراً فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم" (النَّحل 16/106).  وكان المسلمون يرون أنَّ عبد الله بن أبي سرح هو الذي أُشير إليه في قول الله عزًّ وجلَّ: "من شرح بالكفر صدراً".

تلك أمة خلت؛ أما في السُّودان اليوم فرواسب الاسترقاق والاستعلاء العرقي تتبدَّى في الظلم الاجتماعي الذي يتمثَّل في القانون الذي أصبح في المجتمعات السُّودانيَّة تعبيراً طبقيَّاً عن إرادة طبقة ما تستأثر في البنيان الاجتماعي بالنفوذ السياسي والسلطان، وتخضع لها سائر طبقات المجتمع الأخرى، وتلتزم بما يصدر عنها.  ومن ثَمَّ لا نعدو الصواب إن قلنا إنَّ رواسب الاسترقاق تتمظهر في القهر الثقافي، والتناقض الشديد بين النظريَّة الإنسانيَّة في الإسلام – الداعية إلى المساواة وإعطاء كل ذي حقٍ حقه – والتطبيق المقيت؛ إذ لم يُذهِب الإسلام عن هؤلاء الأدعياء نخوة الجاهليَّة وتعظُّمها بالآباء.  أي أنَّ الفكر السياسي الإسلامي ما يزال داخل النفق المظلم نفسه في ضحى يقظة يزعمونها جديدة، ويطلقون عليها اسم "المشروع الحضاري"!



خلاصة

لا شك في أنَّ كتاب "الحركة الإسلاميَّة في السُّودان (1969-1985م): تأريخها وخطابها السياسي" قد تناول موضوعات كثر، والتي من أجلها وحولها يصطرع أهل السُّودان؛ لذلك كانت هذه القضايا في غاية الأهميَّة ليست لأنَّها تمثل عناصر الصراع في المشكل السُّوداني فحسب، بل لأنَّها كفيلة بتشكيل مستقبل هذا البلد غير الأمين ومصائر أجياله.  ومن هذه القضايا، التي تطرَّق إليها الكاتب في الكتاب – عرضاً أو تحريضاً – التنمية الاقتصاديَّة، العدالة الاجتماعيَّة، التمثيل السياسي، وحقوق القوميات السُّودانيَّة الأخرى، والتي يسميها أهل الحكم إساءة ب"الأقليَّات"، وقد جادلنا في هذه المسألة في أكثر ما يكون الجدال في مقالات سابقة وعلى صفحات الشبكة العالميَّة الواسعة الانتشار.  فعلى الساسة في السُّودان ورجال الأحزاب وأهل الحكم وضع منهجيَّة عملانيَّة واقعيَّة تأخذ في الاعتبار المكونات الاجتماعيَّة والثقافيَّة والتطلعات المستقبليَّة لأهل السُّودان كافة، وبناء الدولة بمشروع مشترك، وتسوية عقلانيَّة للنزعات، وإصلاحات ديمقراطيَّة تترجم بسيادة واضحة، وتعدديَّة ثقافيَّة قائمة على المساواة، وتكريس مبدأ الجمهوريَّة المحايدة تجاه أنظمة المعتقدات، وتطوير مفهوم المواطنة والوطنيَّة، وتأسيس مجتمع منفتح ودولة القانون وحقوق الإنسان، بحيث تسمح هذه الدَّولة لجميع الجماعات بممارسة الحياة السياسيَّة على القدر نفسه من المساواة والنديَّة والكرامة.  فقد فشل فكر القوميَّة العربيَّة-الإسلاميَّة وسياستها، لأنَّها تعالت على الخصوصيات السُّودانيَّة، وقامت على سياسة النفوذ المسيطر، وأمست السياسات الأصوليَّة تعبِّر عن واقع الدُّول والأنظمة الديكتاتوريَّة بثوب ديني، وأخيراً لا بدّ من البحث في القراءة الاختزاليَّة أو المجتزأة لتأريخ السُّودان الذي يجعل كل ما هو عربي وحده منطلقاً له.  هذا التأريخ الذي يمكن للبعض أن يتعملق به، بينما يتضاءل شأن الباقين إن لم يضمحل نخباً وشعوباً، وكم إنَّ هؤلاء البعض يعتبر نفسه محوراً مركزيَّاً للتأريخ والتقدُّم، فلا يقيم للآخرين وزناً على اعتبار أنَّهم لم يكونوا – في أفضل الحالات – سوى بوادر هامشيَّة لا أثر لها في الحراك الرئيس العام، ويرى نفسه هو ممثِّل له وفاعل فيه بجدارة.  وفي نهاية المطاف – أي بعد ابتكار علاقات ارتباط جديدة خالية من سياق هيمنة واستعباد - يمكن أن تكون هناك إمكانيَّة الوصول إلى عقد اجتماعي، ينقذ السُّودان من دوامة العنف التي تُكتسي دينيَّاً، والارتقاء به إلى فضاء الديمقراطيَّة، فضاء التعايش والاعتراف بالآخر والتعايش مع الإقرار بحق الاختلاف: الفضاء الكوني الذي يتَّسع للجميع، وحق الوجود السياسي الذي هو ملك لجميع القوى السياسيَّة بلا استثناء؛ فالديمقراطيَّة لا تقبل التجزئة ولا انطباقها على فصيل أو فصائل واستبعاد غيرها منها.  فلا أمل في تطور أي مجتمع يرجو أن يكون متقدِّماً إلا بالقضاء على ثقافة التمييز فيه، واستبدال ثقافة التعصُّب بثقافة التَّسامح، والدَّولة التسلُّطيَّة (العسكريَّة أو القبليَّة أو الطائفيَّة) بدولة الحريَّة القائمة على العدل الاجتماعي، وإطلاق سراح الفكر الذي يعني حريَّة التفكير والإبداع، وحق التَّعبير، وغير ذلك من القيم الخلاقة التي بها تتفتَّح العقول وتغتني، فتزداد قدرة على بناء مجتمعات متقدِّمة.

أما بعد، فهذه هي رايتنا رفعناها خفاقة عالية طالما انتظرنا أمداً مديداً عسى أن يتعقَّل الذين أسرفوا على أنفسهم، وهم على الأرائك ينظرون إلى الأغيار بشيء من العنجهيَّة والعنصريَّة كثير، ولكنهم لم يكفوا عن ذلك، بل استكبروا ومكروا مكراً كُبَّاراً.  إذ لا نزعم في هذه الصفحات وبصوتٍ جهير أنَّنا حدَّدنا – بصفة قاطعة – كل أدواء المشكل السُّوداني المتمثِّل في إفرازات عقول الصفوة من أهل الشمال، الذين أوتوا بسطة في العلم.  ولكنَّنا قطعاً سلَّطنا الأضواء على طبيعة الأزمة السياسيَّة، والتي تكمن نواتها في المسألة العرقيَّة، والتي ينفخ حسن مكي فيها فإذا هي حيَّة تسعى لتلدغ غيره.  وفي هذا السياق نعتبر حسن مكي – أصلاً وفصلاً – من علماء التسلُّطيَّة السلطانيَّة لتأصيل الانحراف السياسي، وتديين صلاحيات الظالم الغشوم – أي الملك العضوض، حتى يتم التَّعامل مع أهل الحكم وكأنَّهم يمارسون طقوساً دينيَّة.  وبفعله هذا نجد أنَّه ينيخ بعيره في مربد الظلام.  وتتبنَّى هذه الصفوة من المنظِّرين الكذب من أجل أن تعيش فئة من النَّاس بسلام، بحيث يصبح الواقع الاجتماعي أشبه بقصر من ورق يحتاج إلى أول ريح عاتية كي يتدمَّر.  ونعرف أنَّ "الأيديولوجيَّة الإسلامويَّة" كان همها الأساس منذ اتَّخذت تلك الجماعة شرعنة وجودها، منع الريح من الوصول، فإن وصلت يجب أن ألا تدنو من قصر الورق.  وأهميَّة فقهاء وعلماء السُّلطان تكمن ليس فقط في أنَّها لا تترك الريح تتسلَّل، بل في صد الريح التي تحاول تدمير القصر، متخذين أقنعة الكذب والرِّياء الاجتماعي تغطية بمقدار ما يتقدَّم الوقت.  فإذا لم يخرج علينا مصلحون بواسل، ستبقى أزماتنا طويلاً دون حلول، وسيبقى الشَّعب السُّوداني مكرهاً حاملاً مساوئ لتظل باقية لفترات، أو كما قال الشاعر العراقي محمد مهدي الجواهري في مطلع قصيدته الرَّجعيُّون، والتي نُشِرت في 26 آب (أغسطس) 1929م:

ستبقى طويلاً هذه الأزماتُ                  إذا لم تُقصِّر عمرها الصَّدمات

إذا لم ينلها مصلحون بواسلٌ                 جريئون فيما يدَّعون كُفاة

سيبقى طويلاً يحمل الشَّعب مكرهاً          مساوئ مَنْ قد أبقت الفترات

ألم تر أنَّ الشَّعب جُلُّ حقوقه                هي اليوم للأفراد ممتلكات؟

ومن عجبٍ أنَّ الذين تكفَّلوا                  بإنقاذ أهليه هم العَثَرات

وكأي رق منشور داخل السُّودان للاستهلاك المحلي جاء سفر حسن مكي إيَّاه تحريضاً إسلامويَّاً فاقع اللون، بعيداً عن العرض العلمي، مشوِّهاً لقيم الآخر؛ وتمَّ تعميقه وحشوه بمتفجِّرات الكراهيَّة مريبة المصادر خطيرة الأهداف.  وأخيراً، هذه بعض ملاحظاتنا عن هذا التأليف وصاحبه حسن مكي؛ وبرغم من ذلك كله، فإنَّ الكتاب سيظل أمراً يستحق الانتباه بالقدر الذي يستحق التأمل والدَّرس وتحليل الخطاب السياسي للحركة الإسلاميَّة.  وقد آلينا على أنفسنا – حسب الجهد والطاقة – أن نقرأه بحروفه وألفاظه، لنجلي ما حدث بشكل أوضح، ولنري العالمين بوضوح كيف تمكَّنت الظلال الخادعة والمرايا المعكوسة أن تبرز صوراً أخرى مغايرة ومناقضة تحت عنوان إسلامي كبير.

Live Support
Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More